الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٩٦ - ١٠٠٠- أثر البيئة
لون الجمل الأورق. فإذا كانت في رأس الخضيب بالحمرة تراها حمراء. فإن نصل خضابه صار فيها شكلة، من بين بيض و حمر.
و قد نرى حرّة بني سليم، و ما اشتملت عليه من إنسان، و سبع، و بهيمة، و طائر، و حشرة فتراها كلّها سوداء[١].
و قد خبّرنا من لا يحصى من النّاس أنّهم قد أدركوا رجالا من نبط بيسان[٢]، و لهم أذناب إلاّ تكن أذناب التماسيح و الأسد و البقر و الخيل؛ و إلاّ كأذناب السّلاحف و الجرذان، فقد كان لهم عجوب[٣]طوال كالأذناب.
و ربّما رأينا الملاّح النّبطيّ في بعض الجعفريّات على وجهه شبه القرد. و ربّما رأينا الرّجل من المغرب فلا نجد بينه و بين المسخ، إلاّ القليل.
و قد يجوز أن يصادف ذلك الهواء الفاسد، و الماء الخبيث، و التربة الرديّة، ناسا في صفة هؤلاء المغربيّين و الأنباط، و يكونون جهّالا، فلا يرتحلون؛ ضنانة بمساكنهم و أوطانهم، و لا ينتقلون. فإذا طال ذلك عليهم زاد في تلك الشعور، و في تلك الأذناب، و في تلك الألوان الشّقر، و في تلك الصّور المناسبة للقرود.
قالوا: و لم نعرف، و لم يثبت عندنا بالخبر الذي لا يعارض، أنّ الموضع الذي قلب صور قوم إلى صور الخنازير، هو الموضع الذي نقل صور قوم إلى صور القرود.
و قد يجوز أن تكون هذه الصّور انقلبت في مهبّ الريح الشمالي، و الأخرى في مهبّ الجنوب. و يجوز أن يكون ذلك كان في دهر واحد؛ و يجوز أن يكون بينهما دهر و دهور.
قالوا: فلسنا ننكر المسخ إن كان على هذا الترتيب؛ لأنّه إن كان على مجرى الطّبائع، و ما تدور به الأدوار، فليس ذلك بناقض لقولنا، و لا مثبت لقولكم.
قال أبو إسحاق: الذي قلتم ليس بمحال، و لا ينكر أن يحدث في العالم برهانات، و ذلك المسخ كان على مجرى ما أعطوا من سائر الأعاجيب، و الدّلائل و الآيات. و نحن إنّما عرفنا ذلك من قبلهم. و لو لا ذلك لكان الذي قلتم غير ممتنع.
و لو كان ذلك المسخ في هذا الموضع على ما ذكرتم، ثمّ خبر بذلك نبيّ، أو دعا به نبيّ، لكان ذلك أعظم الحجّة.
[١]رسائل الجاحظ ٢/٣١٣، و انظر الرسائل ١/٢١٩-٢٢٠. و ربيع الأبرار ٥/٤٨١.
[٢]بيسان: مدينة بالأردن بالغور الشامي، و هي بين حوران و فلسطين. معجم البلدان ١/٥٢٧.
[٣]العجوب: جمع عجب، و هو أصل الذنب. (القاموس: عجب) .