رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ٣٧٧ - الفصل الأول فى ذكر سريان قوة العشق فى كل واحد من الهويات
من العشق المطلق الكلى فاذن وجود كل واحد من المدبرات بعشق غريزى. و لنجعل لهمتنا فى هذا المرام مرقى أعلى مما قدمناه و لنفحص عن الموجود العالى عن التصرف تحت تدبير مدبر لعظم شأنه (فنقول) أن الخير بذاته معشوق و لو لا ذلك لما نصب كل واحد ممن يشتهى أو يتوخى أو يعمل عملا: غرضا امامه يتصور خيريته فلولا أن الخيرية بذاتها معشوقة لما اقتصرت الهمم على إيثار الخير فى جميع التصرفات و ذلك الخير عاشق للخير لان العشق ليس في الحقيقة الا استحسان الحسن و الملائم جدا و هذا العشق هو مبدأ النزوع اليه عند غيبوبته ان كان مما يباين و التأحد به عند وجوده ثم كل واحد من الموجودات يستحسن ما يلائمه و ينزع اليه مفقود و الخير الخاص هو الملائم للشيء فى الحقيقة و الحسبان فيما أظن هو الملائم لا بالحقيقة ثم الاستحسان و النزاع و الاستقباح أو النفرة فى الموجود من علائق خيريته لانها لا تطلق على الوجود على وجه الاستصواب بالذات الا من جهة خيريته لان الصواب اذا وجد عن الشيء بالذات فهو لسداده و خيريته فبين أن الخير يعشق بما هو خير اما الخاص به و اما المشترك و كل العشق هو لما قد نيل أو لما سينال منه أى من جملة المعشوق و كلما زادت الخيرية زاد استحقاق المعشوقية و زادت العاشقية للخير و اذا تقرر هذا فنقول* ان الموجود المقدس عن الوقوع تحت التدبير اذ هو الغاية فى الخيرية هو الغاية فى المعشوقية و الغاية فى عاشقيته الغاية فى معشوقيته أعنى بذلك ذاته العالى المقدس تعالى اذ الخير