رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ٢٧٨ - القول فى الطرق المؤدية الى هذه السعادة و مباينة الحال المقابلة لها
تجردت النفس لاضدادها عن ذاتها تنبهت لخلوص النية و شغلت بها عن الامور البدنية و كانت النية الخالصة عنها آكد و قمعها بتلك الامور البدنية اقهر و هى الاوراد الشرعية لتغلبها على الطبيعة و النفوس الحيوانية لعود الاستيلاء عليها بالقهر و النية الخالصة و لذلك وضعت كلها شاقة مثل الحركات الصلاتية و الألم الجوعى و المشقة الغريبية عند قطع البلاد القاصية قصدا نحو الهيا كل الالهية و اذا تعهدت النفس هذه الاحوال صارت فاضلة بالفعل دائمة الشوق الى ما من حقها ان تشتاق اليه و صلحت للفرار عما من حقها ان تفارقه و شاكلت فى طبعها الملائكة و صلحت لصحبتها اعنى الملائكة المدبرة للجزئيات فى الارض شوقها اياها الى كمالاتها بالهام الطبيعة الجزئية لذلك- و بين ان هذه الملائكة و ان كان جوهر الملائكة غير مدرك للجزئيات مدركة لها بمعنى عارض عليها لا من حيث جوهرها و ذلك المعنى يعقله فى واحد واحد من الجزئيات لشوق الطبيعة الملابسة لها الى ابراز كمالها الخاص بها- و ظاهر ما تكلم فيه الالهيون ان صورة بعض الملائكة لا تلتبس على بعض بل بعضها لبعض كالمرايا فلذلك تدرك بعضها افاعيل بعض و تعرف بذلك الغايات الحاصلة من افاعيلها فى الامور الجزئية ثم ان هذه النفس الزكية اذا اطلعت على ما فى ذاتها فثبت بذلك مقدمة المعرفة بالامور الجزئية و صدق الغرابة سنحت للوحى و الالهام فى حال النوم و اليقظة فى الدنيا ثم تصير بذلك مشاكلة الصورة لصورتها الحاصلة عند النشأة الثانية فى الآخرة فتستزيد بذلك الكمال فى الصورة فى العاقبة فيجب ان لا يتوانى الحكيم عن استعمال الاوضاع الشرعية و اما الجهال فلن يحصل لهم باستعمال الاوراد الشرعية اخلاص نية و هو المقصود منها- و كيف ليت شعرى يتشوقون الى الدار الآخرة و المبدع الأول و ما عرفوها الا بالتوهم فاى نفس جمعت هذه المناقب فقد فازت بالسعادة العظيمة فى الآخرة و اى نفس صارت هذه الافاعيل افاعيلها فهى ممتحنة فى الآخرة بالشقاوة العظمى التي قررنا امرها فيما سلف و بمفارفة الملائكة فى الدنيا و اعراضهم عنها لاجل مضادة