رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ١٤١ - حي بن يقظان
و مقام معلوم و درجة مفروضة لا ينازع فيها و لا يشارك فكل من عداه يرتفع عنه أو يسمح نفسا بالقصور دونه و أدناهم منزلة من الملك واحد هو أبوهم و هم أولاده و حفدته [١] و عنه يصدر إليهم خطاب الملك و مرسومه و من غرائب أحوالهم أن طبائعهم لا تستعجل بهم إلى الشيب و الهرم و أن الوالد منهم و إن كان أقدم مدة فهو أسبغ منه و أشد بهجة و كلهم مسخرون قد كفوا الاكتفاء و الملك أبعدهم فى ذلك مذهبا و من عزاه إلى عرق فقد زل [٢] و من ضمن الوفاء بمدحه فقد هذى قد فات قدر الوصاف عن وصفه و حادت عن سبيله الأمثال فلا يستطيع ضاربها إلا بتباين أعضاء بل كله لحسنه وجه و لجوده يد [٣] يعفى حسنه آثار كل حسن و يحقر كرمه نفاسة كل كرم و متى هم بتأمله أحد من الحافين حول بساطه غض الدهش طرفه فآب حسيرا يكاد بصره يختطف قبل النظر إليه و كان حسنه حجاب حسنه و كان ظهوره سبب بطونه و كان تجليه سبب خفائه كالشمس لو انتقبت يسيرا لاستعلنت كثيرا فلما أمعنت فى التجلى احتجبت و كان نورها حجاب نورها و إن هذا الملك لمطلع على ذويه بهاءه لا يضن عليهم بلقائه و إنما يؤتون من دنو قواهم دون ملاحظته و إنه لسمح فياض واسع البر غمر النائل رحب الفناء عام العطاء من شاهد أثرا من جماله وقف عليه لحظة و لا يلفته عنه غمزة و لربما هاجر إليه أفراد من الناس فيتلقاهم من فواضله ما ينوبهم و يشعرهم احتقار متاع إقليمكم هذا فإذا انقلبوا من عنده انقلبوا و هم مكرهون.
قال الشيخ حي بن يقظان لو لا تعزبى إليه بمخاطبتك منبها إياك لكان لى به شاغل عنك و إن شئت اتبعتنى إليه و السلام.
تمت رسالة حي بن يقظان بحمد اللّه و منه و الصلاة على محمد خير خلقه و على آله و أصحابه
[١] يريد به العقل الفعال الأول و هو المبدأ الأول. و سماه أبا لهم إذ كان وجود ما سواه منه ه
[٢] يشير بذلك إلى أن من انتسب إلى أصل من مادة أو صورة أو فاعل أو غاية فقد زاغ عن الحق.
[٣] أى أنه لا ينقسم على وجه من الوجوه لا معنى و لا مقدارا، لأنه و احمد من كل جهة.