رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ١٣٦ - حي بن يقظان
هذا الإقليم كل حيوان و نبات لكنها إذا استقرت به ورعته و شربت من مائة غشيته غواش غريبة من صورها [١] فترى الإنسان فيها قد جلله مسك بهيمة و نبت عليه أثيت من العشب و كذلك حال كل جنس آخر فهذا إقليم خراب سبخ مشحون بالفتن و الهيج و الخصام و الهرج يستعير البهجة من مكان بعيد و بين هذا الإقليم و إقليمكم أقاليم أخرى [٢] لكن وراء هذا الإقليم مما يلى محط أركان السماء إقليم شبيه به فى أمور [٣] منها أنه صفصف غير آهل إلا من غرباء واغلين و منها أنه يسترق النور من شعب غريب و إن كان أقرب إلى كوة النور من المذكور قبله و من ذلك أنه مرسى قواعد السماويات كما أن الذي قبله مرسى قواعد هذه الأرض و مستتر لها لكن العمارة فى هذا الإقليم مستقرة لا مغاضبة بين واردها للمحاط و لكل أمة صقع محدود لا يظهر عليهم غيرهم [٤] غلابا فأقرب معامره منا بقعة سكانها أمة صغار الجثث حثاث الحركات و مدنها ثمان [٥] مدن و يتلوها مملكة أهلها أصغر جثثا من هؤلاء و أثقل حركات يلهجون بالكتابة و النجوم و النيرنجات و الطلسمات و الصنائع الدقيقة و الأعمال العميقة مدنها [٦] تسع و يتلوها وراءها مملكة أهلها متمتعون بالصباحة مولعون بالقصف و الطرب مبرءون من الغموم لطاف لتعاطى المزاهر مستكثرون من ألوانها تقوم عليها امرأة قد طبعوا على الإحساس و الخير فإذا ذكر الشر اشمأزوا عنه و مدنها ثمانى مدن [٧]. و يتلوها مملكة قد زيد لسكانها بسطة فى الجسم و روعة فى الحسن و من خصالهم أن مفارقتهم من بعيد عزيزة
[١] أى أن الصورة الإنسانية إذا حصلت فى المادة اقترنت بها أعراض غريبة، و لا يختص بشكل دون شكل، و لا قدر دون قدر، و لا وضع دون وضع.
[٢] يريد بالأقاليم الأخرى الأنواع المعدنية و النباتية و الحيوانية. و بإقليمكم النوع الإنسانى.
[٣] أراد بها الأجرام السماوية التي أقربها إلينا فلك القمر. و هو أولها. و آخرها الفلك التاسع.
و فوقه إقليم آخر و هو علة العلل، و هو اللّه تعالى. و طبيعته مباينة لطبيعة الكون و الفساد.
[٤] أى صورها صور لا تفارقها و لا تتبدل بأضدادها. و هذا شأن عالم الكون و الفساد.
[٥] أشار بذلك إلى فلك القمر. و عنى بسكانها القمر نفسه. و وصفه بصغر الجثة، إذ كان حجمه أصغر من حجم الأرض.
[٦] يشير به إلى فلك عطارد. و وصفه بالكتابة و النجوم و الطلسمات إلخ على مذهب أصحاب النجوم، و اعتقادهم دلالة عطارد على هذه الأمور.
[٧] أشار به إلى فلك الزهرى، و وصفت بهذه الأوصاف على مذهب أصحاب النجوم.