شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٧٧
قبلها بحركة ما ارتفع من الحروف، فجعلوا حركتها من الحرف الذي في حيزها و هو الألف، و إنما الحركات من الألف و الياء و الواو إذ كنّ عينات، و كذلك حّركوهنّ.
قال أبو سعيد: اعلم أن هذه الحروف التي من الحلق هي مستفلة عن اللسان، و الحركات ثلاث: الضم و الكسر و الفتح، و كل حركة منها مأخوذة من حرف من الحروف، فالضمة مأخوذة من الواو، و الكسرة من الياء، و الفتحة من الألف، و مخرج الواو من بين الشفتين، و الياء من وسط اللسان، و الألف من الحلق، فإذا كانت حروف الحلق عينات أو لامات ثقل عليهم أن يضموا أو يكسروا، لأنهم إذا ضموا فقد تكلّفوا الضمة من بين الشفتين؛ لأن منه مخرج الواو، و إن كسروا فقد تكلّفوا الكسرة من وسط اللسان، و إن فتحوا، فالفتحة من الحلق، فثقل الضم و الكسر، لأن حرف الحلق مستعل و الحركة عالية متباعدة منه، فحركوه بحركة من موضعه و هي الفتح، لأن ذلك أخف عليهم و أقل مشقة. و كان الأصل فيما كان الماضي منه على فعل أن يجيء مستقبله على يفعل أو يفعل، نحو: ضرب يضرب، و قتل يقتل، و إنما يجيء مفتوحا فيما كان في موضع العين و اللام منه حرف من حروف الحلق لما ذكرته لك من العلة. و قد يجيء ما كان في موضع العين و اللام منه حرف من حروف الحلق على الأصل، فيكون على فعل يفعل، و فعل يفعل. و قد ذكر سيبويه منه أشياء، فمن ذلك قولهم: برأ يبرؤ. و يقال: برأ اللّه الخلق يبرؤهم و يبرؤهم، و لم يأت مما لام الفعل منه همزة على فعل يفعل غير هذا الحرف.
و قالوا: هنأ يهنئ، كما قالوا: ضرب يضرب تجيء هذه الأفعال على فعل يفعل و يفعل في الهمز أقل،" لأن الهمز أقصر الحروف و أشدها سفولا، و كذلك الهاء، لأنه ليس في الستة أقرب إلى الهمزة منها و إنما الألف بينهما. و قالوا: نزع ينزع و رجع يرجع، و نضح ينضح، و نبح ينبح، و نطح ينطح و منح يمنح"، كل ذلك على مثال ضرب يضرب.
و قالوا: جنح يجنح، و صلح يصلح، و فرغ يفرغ، و مضغ يمضغ، و نفخ ينفخ، و طبخ يطبخ، و مرخ يمرخ"، كل ذلك على مثال قتل يقتل.
و ما كان من ذلك فيه الخاء و الغين فيفعل و يفعل فيه أكثر منه في غيرهما، لأنهما أشد الستة ارتفاعا و أقربها إلى حروف اللسان. و من أجل ذلك أخفى بعض القراء النون الساكنة قبلهما في مثل قوله عز و جل: (مِنْ خَوْفٍ) [١]، و ما أشبه ذلك.
[١] سورة قريش، الآية: ٤، و هي قراءة نافع انظر روح المعاني ٣٠/ ٢٤١.