شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٧٣
يعني سيبويه أن مفعالا و فعولا إن كان فيهما معنى المبالغة فليس يجري مجرى أفعل في تصرفه في المواضع الأربعة التي ذكرناها و إنما هي في معنى ما أفعله في المبالغة. قال:
" و أما قولهم في الأحمق ما أحمقه و في الأرعن ما أرعنه، و في الأنوك ما أنوكه، و في الألد ما ألدّه، فإنما هذا عندهم من العلم و نقصان العقل و الفطنة، فصارت" ما ألدّه" بمنزلة ما أمرسه و ما أعلمه، و صارت" ما أحمقه" بمنزلة ما أبلده، و ما أشجعه و ما أجنّه، لأن هذا ليس بلون و لا خلقة في جسد، و إنما هو كقولك ما ألسنه و ما أذكره و ما أعرفه و أنظره، تريد نظر التفكّر، و ما أشنعه؛ لأنه عندهم من القبح و ليس بلون و لا خلقة من الجسد و لا نقصان فيه، فألحقوه بباب القبح كما ألحقوا ألدّ و أحمق بما ذكرت لك؛ لأن أصل بناء أحمق و نحوه أن يكون على غير بناء أفعل، نحو: بليد و عظيم و جاهل و عاقل و فهم و حصيف، و كذلك الأهوج، تقول:" ما أهوجه" كقولك" ما أجنّه".
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه لما ذكر أحمر و أبيض و ما كان من أفعل لونا و خلقة فأبطل فيه التعجب ذكر ما كان على أفعل مما لا يجوز فيه التعجب، و فصل بينه و بين ما كان لونا و خلقة و نقصا و شينا في الأعضاء كالعرج و العشا و العمى و العور، فذكر الأحمق و الأنوك و الأرعن فجعل ذلك بمنزلة الجهل، و أنه كان حقه في الأصل أن يجيء مثل بليد و جاهل.
و ما كان من العقل نحو ألد و هو الشديد الخصومة بمنزلة العقل و اللسن و ما أشبه ذلك، فأجاز فيهما التعجب كما تقول: ما أبلده و ما أجهله، و ما جرى مجرى الفعل ما أشجعه و ألسنه، و شبه قولهم ما هو أهوجه بقولك: ما أجنّه.
و لقائل أن يقول: و كيف جاز أن يقال: ما أجنّه و أصل فعله ما لم يسمّ فاعله كقولك: جنّ و لا يتعجب مما لم يسمّ فاعله؟
فالجواب أن ذلك جائز في أشياء تذكر و تشرح في الباب الثالث من هذا إن شاء اللّه تعالى.
هذا باب ما يستغنى فيه عن ما أفعله بما أفعل فعله و عن أفعل منه بقولهم هو أفعل منه فعلا كما استغني بتركت عن ودعت، و كما استغني بنسوة عن أن يجمعوا المرأة على لفظها
" و ذلك في الجواب، ألا ترى أنك لا تقول ما أجوبه، إنما تقول: ما أجود جوابه، و لا تقول" هذا أجوب منه جوابا" و نحو ذلك، و كذلك لا تقول أجوب به و لكن