شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٧٢
غاية دونه كما أنك إذا قلت ما أفعله فأنت تريد أن ترفعه عن الغاية الدنيا، و المعنى في أفعل به و ما أفعله واحد، و كذلك أفعل منه"
و قد ذكرنا فيما تقدم أن التعجب يشترك فيه أربعة أشياء على لفظ، فما جاز في واحد منها جاز في الباقي، و ذلك أنها مشتركة في رفع الشيء عن منزلة إلى ما فوقها، و هو قولك: ما أفعله و أفعل به و هو أفعل منه و أفعل الناس.
تقول:" ما أظرف زيدا" و" أظرف بزيد"،" و زيد أظرف من عمرو"،" و زيد أظرف الناس"، و لا يجوز أن تقول:" ما أبيض زيدا و لا أبيض بزيد"،" و لا هو أبيض من عمرو و لا أبيض الناس"، فما جاز في واحد منها جاز في الباقي، و ما لم يجز فيه لم يجز في الباقي و إنما اشتركت في البناء لاشتراكها في المعنى، لأن التعجب و التفضيل إنما هو رفع الشيء عن منزلة ما دونه. فأما ما أفعل زيدا و أفعل به ففعلان، و أما هو أفعل الناس و هو أفعل منه فاسمان.
قال:" و إنما دعاهم إلى ذلك أن هذا البناء داخل على الفعل، ألا ترى قلّته في الأسماء و كثرته في الصفة لمضارعتها الفعل، فلما كان مضارعا للفعل موافقا له في البناء كره فيه ما لا يكون في فعله"
يريد: إنما دعاهم إلى أن لا يقولوا:" أفعل منه فيما لا يقولون فيه ما أفعله أن أفعله فعل، فإذا كان يمتنع في الفعل فهو في الاسم أشد امتناعا؛ لأن أصل هذا البناء للفعل، و مما يدل على أن أصله للفعل أن كل فعل مستقبله على" يفعل" فهو للمتكلم على أفعل مثل" أذهب" و" أصنع"، و إنما لم يجز" ما أحمره" و" لا ما أبيضه" لعلتين:
إحداهما أن الخليل قال هذه خلق يخلق عليها الإنسان في لونه كما تخلق أعضاؤه كاليد و الرجل، فكما لا يقال ما (أيداه) و لا ما (أرجله)، فكذلك لا يقال ما أبيضه و لا ما أحمره و إنما يقال ما أشدّ بياضه و ما أشدّ حمرته، و العلة الثنية أن فعل هذه الأشياء على أكثر من ثلاثة أحرف و إنما تدخل الهمزة زائدة في أول الفعل الثلاثي تنقل الفعل عن فاعله إلى فاعل آخر كقولك:" علم زيد" و" أعلم عمرو زيدا"، و كذلك" دخل زيد" و" أدخل عمرو زيدا"، و كذلك" حسن زيد" و" أحسن عمرو زيدا"، أي صيّره حسنا. قال:
" و لا تكون هذه الأشياء في مفعال و لا فعول، كما تقول: ضروب و رجل محسان، لأن هذا في معنى ما أحسنه، و إنما تريد أن تبالغ و لا تريد أن تجعله بمنزلة كل من وقع عليه ضارب و حسن."