شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٤٤
و قطّعتها، و مما يدلّك على ذلك قولهم: علّطت البعير، و إبل معلّطة، و بعير معلوط، و لا يقال: معلّط؛ لأن الإبل كثير، فقد تكرر فيه العلاط، و على هذا شاة مذبوح، و غنم مذبّحة، و باب مغلق و أبواب مغلّقة. و جرحت الرجل إذا جرحته مرة أو أكثر، و" جرّحته" إذا أكثرت الجراحات في جسده.
و قالوا: ظلّ يفرّسها السّبع و يؤكّلها إذا أكثر ذلك فيها. و قالوا: موّتت و قوّمت إذا أردت جماعة الإبل أنها ماتت و قامت. و قالوا: ولدت الشاة و ولّدت الغنم؛ لأنها كثيرة.
و قالوا: يجوّل و يطوّف، يكثر الجولان و الطّوف.
قال:" و اعلم أن التخفيف في هذا كله جائز عربي، إلا أن فعّلت إدخالها هاهنا لتبيّن الكثير، و قد يدخل في هذا التخفيف، كما أن الركبة و الجلسة معناهما في الركوب و الجلوس، و لكن بيّنوا بها الضّرب، كما أن هذا بناء خاص للتكثير"
يريد أن التخفيف قد يجوز أن يراد به القليل و الكثير، فإذا شدّدت دللت به على الكثير، و قد مضى هذا، كما أن الركوب و الجلوس قد يقع لقليل الفعل و كثيره و لجميع صنوفه، فإذا قلت: الركبة و الجلسة على هيئته و حاله. و إذا قلت: الركبة و الجلسة دل على مرة واحدة، و الجلوس قد يجوز أن يراد به المرة، و يجوز أن يراد به الهيئة التي تقع عليها الجلسة، فصار اختصاص الجلسة و الجلسة بشيء خاص كاختصاص يطوّف و يجوّل بشيء خاص، و صار الركوب و الجلوس بمنزلة يجوّل و يطوّف في أنه يصلح للأمرين.
قال:" و كما أن الصوف و الريح قد يكون فيه معنى صوفة و ريحة".
يريد أنك إذا قلت: شممت ريحا فيجوز أن تريد معنى الرائحة، كأنه جعل الرائحة للواحدة و الريح للجنس، فهذا في الاستعمال، قال اللّه عز و جل: وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ [١]، فعبّر عنها بالريح و هي للكثير، فأما الرائحة فأكثر ما تستعمل فيما يفوح في دفعة واحدة ثم أنشد:
ما زلت أفتح أبوابا و أغلقها