شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٤٠٩
مجرى ما يتعدى، و إن كان لا يتعدى، كقولك: سخط يسخط و هو ساخط، و خشي يخشى و هو خاش، و كان الأصل سخط منه، كما تقول: غضب منه، و خشي منه، كما تقول: وجل منه، فجعلوا خشي و هو خاش كقولهم: رحم و هو راحم، و لا يقدر في رحم حرف من حروف الجر، و معنى قول سيبويه:" فلم يجيئوا باللفظ كلفظ ما معناه كمعناه"، يريد، لم يقولوا: خش، كما قالوا: فرق و وجل.
و قوله:" و لكن جاءوا بالمصدر و الاسم على ما بناء فعله كبناء فعله"
يعني بالمصدر الخشية، و الاسم يعني الخاشي. فالخشية بمنزلة الرحمة في وزنها، و الخاشي كالراحم في وزنه، و بناء خشي يخشى كبناء رحم يرحم، و هو ضده. و قد يحمل الضد في اللفظ على ما يضاده لتلبسهما بحيز واحد و إن كانا يتنافيان في ذلك الحّيز، كالألوان المتضادة و الروائح و الطعوم المتضادات.
قال سيبويه:" و جاءوا بضد ما ذكرنا على بنائه" قال:" و قالوا: أشر يأشر أشرا و هو أشر، و بطر يبطر بطرا و هو بطر، و فرح يفرح فرحا و هو فرح، و جذل يجذل جذلا و هو جذل" بمعنى فرح." و قالوا: جذلان و جذل، كما قالوا: سكران و سكر، و كسلان و كسل، و قالوا: نشط ينشط و هو نشيط، كما قالوا: الحزين، و قالوا:
النشاط، كما قالوا: السقام، (و جعلوا السّقام) و السقيم كالجمال و الجميل. و قالوا:
سهك يسهك سهكا و هو سهك، و قنم يقنم قنما و هو قنم، جعلوه كالداء لأنه عيب.
و قالوا: قنمة و سهكة".
و القنمة الرائحة المنكرة، و يروى أن بعض الأعراب كان تؤخذ عنه العربية بالبصرة، و كان أهل العلم يتبعونه ليأخذوا ألفاظه، و كانت به لوثة و ضعف في عقله و تقزز فصعد يوما على تل من السّماد، و بسط شيئا معه عليه، و جلس و هم حوله، فارتفعت رائحة منتنة، فتأفف من الرائحة و قال: ما هذه القنمة، و اللّه لكأننا على حششة فقال له أبو الخطاب الأخفش: أنك منها على ثبج عظيم.
" و قالوا: عقرت عقرا، كما قالوا: سقمت سقما. و قالوا: عاقر، كما قالوا:
ماكث"
قال أبو سعيد: و ليس الباب فيما كان على فعل يفعل أن يجئ على فاعل، فإذا جاء شيء منه على فاعل فهو محمول على غيره، و هو قليل، كقولهم: فره العبد يفره فهو فاره، و عقر فهو عاقر.