شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ٢٥٨
هذا باب النون الثقيلة و الخفيفة من فعل الاثنين و فعل جميع النساء
قال أبو سعيد: أما الثقيلة فإنها تدخل في فعل الاثنين و فعل جميع النساء، فالاثنان كقولك: (اضربان زيدا)، و كقوله: وَ لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ و (هل تفعلانّ ذلك) و تذهب نون الرفع هاهنا كما ذهبت في فعل الجميع.
و إنما تثبت الألف في (تذهبانّ) و لا تسقط لاجتماع الساكنين لأنها لو سقطت لأشبه فعل الاثنين فعل الواحد؛ و لأن الذي بعد الألف حرف مشدد فجاز ذلك فيه، كما جاز في (دابّة) و (الضّالّين) و جعل الحرف المشدد كالحرف الواحد المتحرك، و جعل المد في الألف كالعوض من الحركة و لم يسقطوا الألف لاجتماع الساكنين كما أسقطوا الواو في (أضربنّ زيدا) و (اضربنّ زيد يا امرأة). و لو قال: (" اضربون زيدا) و (اضربين يا امرأة) لما كان خارجا عن القياس لأنهم يقولون:" تمود الثّوب" و" أصيمّ" و" مديقّ" في تصغير" أصم" و" مدق" غير أن الحذف أولى و أخف فيما لم يشكل و إذا أشكل كان الإثبات أولى فقالوا:
" لا تتبعان" فأثبتوا الألف، لأنهم لو حذفوها لاجتماع الساكنين صار:" لا تتبعنّ" (و وقع لبس) و في (اضربنّ) و (اضربنّ) لا يقع لبس.
و حذفوا نون الرفع مع نون التوكيد؛ لأن الواحد في" تضربن" مبني على الفتح و نظير الفتح الذي هو النصب في المعرب حذف النون كقولك: (زيد لن يقوم يا هذا) و (الزيدان لن يقوما)، و" (الزيدون لن يقوموا) فصار حذف النون بمنزلة النصب و كذلك يصير حذف النون في المثنى بمنزلة الفتح.
و مما احتج به سيبويه أنه بمنزلة (راد و يراد) جعل النون المشددة بمنزلة الدال المشددة في (يراد) و لم تسقط الألف.
و قال:" و لم يكن لحاق الآخر بعد استقرار الأول".
يعني أنه لو كان إحدى النونين أو إحدى الدالين من (راد) وقعت ساكنة بعد الألف وجب حذف الألف كما وجب في (" لم يخف) و (لا تخف) و لو تحركت الفاء بعد ذلك الساكن كقولك: (لم يخف الرجل) لم ترد الألف الذاهبة بعد الفاء.
فإن قال قائل: فلم تثبت الواو في (تمودّ) و (تحوّد) فيما لم يسم فاعله من قوله:
مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ و لم تثبت الواو و الياء في (اضربنّ) و (أضربنّ)؟
قيل له: لأن الواو في (تمودّ) و ما جرى مجراه منقلبة من ألف" ماددت" فكأنها ألف
[١] سورة يونس، الآية: ٨٩.
[٢] سورة التوبة، الآية: ٦٣.