شرح كتاب سيبويه - السيرافي، ابو سعید - الصفحة ١٦
مشتق" كجلاس"، و ليس شيئا قد غلب عليه عندهم التأنيث كسعاد، و زينب و لكنه مشتق يحمله المذكر، و لا ينصرف في المؤنث كهجر، و واسط.
ألا ترى أن العرب قد كفتك ذلك لما جعلوا واسطا للمذكر صرفوه، فلو علموا أنه شيء للمؤنث ك" عناق" لم يصرفوه، أو كان اسما غلب عليه التأنيث لم يصرفوه، و لكنه اسم" كغراب"، ينصرف في المذكر و لا ينصرف في المؤنث، فإذا سميت به الرجل فهو بمنزلة المكان.
قال أبو سعيد: قد قدمت أن الاسم المؤنث الذي إذا سمي به الرجل لم ينصرف مما ليس فيه علم التأنيث على ضربين؛ أحدهما: أن يكون اسما معروفا مؤنثا قبل التسمية ك (عناق) و (عقرب).
و الآخر: أن يكون اسما اشتق لتسمية المؤنث المعرفة فقط، و لم يكن قبل ذلك اسما لشيء جاز أن يشتقوه للمذكر. فما اشتقوه للمذكر (قباء) و (حراء).
و الدليل على أنه اشتق للمذكر أنهم قد يصرفونه، و لو كان للمؤنث لم يصرفوه بحال؛ لأنه على أكثر من ثلاثة أحرف.
فمن صرف (حراء) و (قباء) فلأنه اسم مذكر سمي به شيء مذكر، مكان، أو موضع أو ما أشبه ذلك من تقدير التذكير، فصار بمنزلة رجل يسمى ب (جعفر) أو (واقد) أو (نافع) و ما أشبه ذلك.
و من لم يصرف فإن الاسم مذكر و المسمى مؤنث كأنه اسم بقعة، فصار بمنزلة امرأة سميناها ب (نافع) أو (جعفر) فلا يصرف لتأنيث المسمى لا لأن اللفظ كان مؤنثا.
و من أجل ذلك إذا سمينا رجل ب (قباء) أو (حراء) صرفناه؛ لأن اللفظ مذكر و المسمى به مذكر و إذا سمينا رجلا ب (لسان) على لغة من يقول: هي اللسان لم تصرفه؛ لأنها بمنزلة (عناق) و إن سمي ب (اللسان) على لغة من يقول: هو اللسان صرفه و التأنيث، و التذكير في اللسان- و إن لم يكن فيه علم التأنيث في اللفظ- بمنزلة شيء واحد يسمى بلفظين أحدهما فيه علم التأنيث و الآخر لا علم فيه.
كقولهم: اللذاذ، و اللذاذة و معناهما واحد و أحد اللفظين مذكر و الآخر مؤنث، فاعرف ذلك إن شاء اللّه تعالى.
شرح كتاب سيبويه، ج٤، ص: ١٧
هذا باب أسماء القبائل و ما يضاف إلى الأم و الأب
قال سيبويه: أما ما يضاف إلى الآباء و الأمهات فنحو قولهم: هذه بنو تميم، و هذه بنو سلول، و نحو ذلك، فإذا قلت: هذه تميم، و هذه أسد، و هذه سلول، فإنما تريد ذلك المعنى، غير أنك حذفت المضاف كما قال تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (و يطؤهم الطريق و إنما يريد أهل القرية) (و أهل الطريق.)
قال أبو سعيد: اعلم أن آباء القبائل و أمهاتها إذا لم تضف إليها البنون، قد تأتي على ثلاثة أوجه؛ أحدها أن يحذف المضاف، و يقام المضاف إليه مقامه، فيجري لفظه على ما كان، و هو مضاف إليه فيقال: هذه تميم و هؤلاء تميم، و رأيت تميما، و مررت بتميم.
و أنت تريد هؤلاء بنو تميم، فتحذف المضاف و تقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب.
فإن كان المضاف إليه منصرفا بقيته على صرفه و إن كان غير منصرف منعته الصرف، كقولك: هذه باهلة و رأيت باهلة و مررت بباهلة.
و أنت تريد هذه جماعة باهلة؛ لأن (باهلة) غير مصروفة فهذا الوجه يشبه قول اللّه عز و جل: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها على معنى أهل القرية.
و الوجه الثاني أن تجعل أبا القبيلة عبارة عن القبيلة، فيصير اسم أبى القبيلة كاسم مؤنث سمّيت بذلك الاسم.
و ذلك قوله: هذه تميم، و رأيت تميم، و مررت بتميم، و هذه أسد، و رأيت أسد، و مررت بأسد كان امرأة سميت بأسد، فلا تصرف.
و على هذا تقول: هذه كلب و رأيت كلب، و مررت بكلب فيمن لا يصرف امرأة سميت بزيد، و من صرف امرأة سميت بزيد جاز أن يقول هذه كلب.
و الوجه الثالث: أن تجعل أبا القبيلة اسما للحي، فيصير بمنزلة رجل سمي بذلك الاسم. فإن كان مصروفا صرفته و إن كان غير مصروف لم تصرف.
و مما يصرف تميم، و أسد، و قريش، و ثقيف و ما أشبه ذلك.
و مما لا يصرف (باهلة) و (أعصر) و (ضنة) و (تدول) و (تغلب) و ما أشبه ذلك؛ لأن
[١] يوسف: الآية: ٨٢.