الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٢ - نسبه و أصله و سبب لقبه
رأسه و أعجبه جماله و قال له: اذهب فأنت وضّاح اليمن، لا من أتباع ذي يزن [١] (يعني الفرس الذين قدم بهم ابن ذي يزن لنصرته) فعلقت به هذه الكلمة منذ يومئذ، فلقّب وضّاح اليمن. قال خالد: و كانت أمّ داذ ابن أبي جمد جدّة وضاح كنديّة؛ فذلك حيث يقول في بنات عمه:
إن قلبي معلّق بنساء
واضحات الخدود لسن بهجن
من بنات الكريم داذ و في كن
دة ينسبن من أباة اللّعن
/ و قال أيضا يفتخر بجدّه أبي جمد:
بنى لي إسماعيل مجدا مؤثّلا
و عبد كلال بعده و أبو جمد
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثني عمّي عن العبّاس بن هشام عن أبيه قال:
كان وضّاح اليمن و المقنّع الكنديّ و أبو زبيد الطائي يردون مواسم العرب مقنّعين يسترون وجوههم خوفا من العين و حذرا على أنفسهم من النساء لجمالهم. قال خالد بن كلثوم: فحدّثت بهذا الحديث مرّة و أبو عبيدة معمر بن المثنّى حاضر ذلك، و كان يزعم أن وضّاحا من الأبناء؛ فقال أبو عبيدة: داذ اسم فارسي. فقلت له: عبد كلال اسم يمان، و أبو جمد كنية يمانية، و العجم لا تكتنى، و في اليمن جماعة قد تسمّوا بأبرهة، و هو اسم حبشيّ، فينبغي أن تنسبهم إلى الحبشة. و أيّ شيء يكون إذا سمّي عربيّ باسم فارسيّ! و ليس كلّ من كنى أبا بكر هو الصدّيق، و لا من سمّي عمرا هو الفاروق، و إنما الأسماء علامات و دلالات لا توجب نسبا و لا تدفعه. قال: فوجم أبو عبيدة و أفحم فما أجاب.
و ممن زعم أنه من أبناء الفرس ابن الكلبيّ و محمد بن زياد الكلابيّ.
و قال خالد بن كلثوم: إنّ أمّ إسماعيل أبي الوضّاح بنت ذي جدن، و أم أبيه بنت فرعان ذي [٢] الدّروع الكنديّ من بني الحارث بن عمرو.
[١] هو سيف بن ذي يزن الذي بقتله دخلت اليمن في ملك الأحباش. و كان سيف هذا جميل المنظر عالي الهمة قوي السلطان شديد البأس كريم الخلق جوادا حسن التدبير و السياسة. و كان قد ترك بلاد اليمن بعد موت أبيه و توجه لقيصر الروم و استنجده في ردّ ملك والده فلم يجبه قيصر لطلبه، فقصد كسرى أنو شروان ملك العجم لهذا الغرض فأجابه إلى طلبه و أرسل معه جيشا تحت قيادة «و هرز» فأخرجهم من المين و ردّ إليه ملكه. فتربع سيف على ملك أجداده تحت رعاية الأعجام، و اتخذ مقر أعماله قصر غمدان بمدينة صنعاء التي كانت في ذلك العهد عاصمة ملكه. و قد هنأته وفود العرب و الشعراء لاسترداد ملك أبيه و تغلبه على الأحباش.
و كان من جملة وفود المهنئين وفد الحجازيين الذي كان يرأسه عبد المطلب جدّ النبيّ صلى اللّه عليه و سلم فاستأذنوا عليه و دخلوا و هو في قصره (غمدان) فأذن لهم فدخلوا عليه و هو متضمخ بالمسك و عليه بردان و التاج على رأسه و السيف بين يديه و ملوك اليمن و أقيال حمير حواليه، و أمامه أمية بن الصلت الثقفي ينشده قصيدته يمدحه فيها و يهنئه؛ و مطلعها:
لا يطلب الثأر إلا كابن ذي يزن
في البحر خيم للأعداء أحوالا
ثم استأذنه عبد المطلب في الكلام و ألقى بين يديه خطبة نالت منه استحسانا. ثم أمر بهم إلى دار الضيافة و أجرى عليهم ما يحتاجون شهرا لا يؤذن لهم في مقابلته و لا في الانصراف. و القصيدة و الخطبة ذكرهما المؤلف في الجزء السادس عشر من هذا الكتاب (ص ٧٥- ٧٧ طبع بولاق).
[٢] كذا في أ، ء، م هنا و «شرح القاموس» (مادة فرع) و ما يعول عليه في المضاف و المضاف إليه. و في سائر الأصول و فيما سيأتي في أ، ء، م: «فرعان بن ذي الدروع» و هو تحريف.