الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٣٢ - اشتد قيس بن الخطيم على حسان و هم يشربون عند ابن مشكم فانتصر ابن مشكم لحسان
مزاود القوم ما قد طرحوه في الحرث يتخفّفون منه للنّجاء. فقال المسلمون حين رجع بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أ نطمع أن تكون غزوة، قال «نعم». و قد كان أبو سفيان قال و هو يتجهّز خارجا من مكة إلى المدينة أبياتا من شعر يحرّض فيها قريشا فقال:
كرّوا على يثرب و جمعهم
فإنّ ما جمّعوا لكم نفل
إن يك يوم القليب [١] كان لهم
فإن ما بعده لكم دول
آليت لا أقرب النساء و لا
يمسّ رأسي و جلدي الغسل
حتى تبيدوا قبائل الأوس و ال
خزرج إن الفؤاد مشتعل
فأجابه كعب بن مالك:
يا لهف أمّ المسبّحين [٢] على
جيش ابن حرب بالحرّة الفشل [٣]
/ أ تطرحون الرجال من سنم الظّهر ترقّى في قنّة الجبل
جاءوا بجمع لو قيس منزله
ما كان إلا كمعرس الدّئل [٤]
عار من النصر و الثراء و من
نجدة أهل البطحاء و الأسل
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال حدّثنا سليمان بن سعد عن الواقديّ:
أن غزوة السّويق كانت في ذي القعدة من سنة ثنتين من الهجرة.
اشتد قيس بن الخطيم على حسان و هم يشربون عند ابن مشكم فانتصر ابن مشكم لحسان:
حدّثني عمّي قال حدّثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدّثنا ابن سعد عن الواقديّ عن أبي الزّناد عن عبد اللّه بن الحارث قال:
شرب حسّان بن ثابت يوما مع سلام بن مشكم، و كان له نديما، معهم كعب بن أسد و عبد اللّه بن أبيّ و قيس بن الخطيم؛ فأسرع الشراب فيهم و كانوا في موادعة و قد وضعت الحرب أوزارها بينهم. فقال قيس بن الخطيم لحسّان:
تعال أشاربك؛ فتشاربا في إناء عظيم فأبقى حسّان من الإناء شيئا؛ فقال له قيس: اشرب. فقال حسّان و عرف الشرّ في وجهه: أو خيرا من ذلك أجعل لك الغلبة. قال: لا! إلّا أن تشربه؛ فأبى حسّان. و قال له سلام بن مشكم: يا أبا يزيد، لا تكرهه على ما لا يشتهي، إنما دعوته لإكرامه و لم تدعه لتستخفّ به و تسيء مجالسته. فقال له قيس:
أ فتدعوني أنت على أن تسيء مجالستي! فقال له سلام: ما في هذا سوء مجالسة، و ما حملت عليك إلّا لأنك منّي و أني حليفك، و ليست/ عليك غضاضة في هذا، و هذا رجل من الخزرج قد أكرمته و أدخلته منزلي؛ فيجب أن تكرم
[١] هو قليب بدر (انظر الكلام عليه في غزوة بدر في هذا الكتاب ج ٤ ص ١٧٠ من هذه الطبعة).
[٢] كذا في الطبري و ابن الأثير. و في الأصول: «المسجيين».
[٣] الفشل: الضعيف الجبان.
[٤] المعرس: الموضع الذي يعرس فيه (ينزل). و الدئل: دويبة كالثعلب، و قيل: هي شبيهة بابن عرس. و في الطبري (ق ١ ص ١٣٦٦): «كمفحص الدئل».