الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٢٨ - حديث استئمان العباس له و إسلامه في غزاة الفتح
و اللّه ما رأيت كالليلة قطّ نيرانا. فقال بديل بن ورقاء: هذه و اللّه نيران خزاعة حمشتها [١] الحرب. فقال أبو سفيان:
خزاعة ألأم من ذلك و أذلّ. فعرفت صوته فقلت: أبا حنظلة! فقال: أبا الفضل! قلت نعم؛ فقال: لبّيك، فداؤك أبي و أمي! فما وراءك؟ فقلت: هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قد دلف [٢] إليكم بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين. قال:
فما تأمرني؟ فقلت: تركب عجز هذه البغلة فأستأمن لك رسول اللّه/ صلى اللّه عليه و سلم، فو اللّه لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك.
فردفني فخرجت به أركض بغلة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم نحو رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. فكلما مررت بنار من نيران المسلمين فنظروا إليّ قالوا: عمّ رسول اللّه على بغلة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب- رضي اللّه تعالى عنه- فقال: أبو سفيان! الحمد للّه الذي أمكن منك بغير عقد و لا عهد؛ ثم اشتدّ نحو النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و ركضت البغلة و قد أردفت أبا سفيان- قال العباس:- حتى اقتحمت على باب القبّة و سبقت عمر بما تسبق به الدّابة البطيئة الرجل البطيء. فدخل عمر على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: يا رسول اللّه، هذا أبو سفيان قد أمكن اللّه منه بغير عهد و لا عقد، فدعني أضرب عنقه. قلت: يا رسول اللّه، إني قد أجرته. ثم جلست إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أخذت برأسه و قلت: و اللّه لا يناجيه اليوم/ أحد دوني. فلما أكثر فيه عمر قلت: مهلا يا عمر! فو اللّه ما تصنع هذا إلّا لأنّه رجل من عبد مناف، و لو كان من بني عديّ بن كعب ما قلت هذا! قال: مهلا يا عبّاس! فو اللّه لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم؛ و ذلك لأني أعلم أن إسلامك أحبّ إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «اذهب فقد أمّنّاه حتى تغدو به عليّ الغداة» فرجع به إلى منزله. فلما أصبح غدا به على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. فلما رآه قال: «ويحك يا أبا سفيان أ لم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا اللّه»! فقال: بأبي أنت و أمي! ما أوصلك و أحلمك و أكرمك! و اللّه لقد ظننت أن لو كان مع اللّه غيره لقد أغنى عنّي شيئا. فقال: «ويحك تشهّد بشهادة الحقّ قبل و اللّه [أن] [٣] تضرب عنقك»./ قال: فتشهّد. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم للعبّاس من حين تشهّد أبو سفيان:
«انصرف يا عبّاس فاحتبسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي حتى يمرّ عليه جنود اللّه». فقلت: يا رسول اللّه، إنّ أبا سفيان رجل يحبّ الفخر، فاجعل له شيئا يكون في قومه. فقال: «نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن و من دخل المسجد فهو آمن و من أغلق عليه بابه فهو آمن». فخرجت به حتى أجلسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي، فمرّت عليه القبائل، فجعل يقول: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي و لسليم! ثم تمرّ به قبيلة فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: أسلم، فيقول: مالي و لأسلم! و تمرّ به جهينة فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: جهينة، فيقول: ما لي و لجهينة! حتى مرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في الخضراء، كتيبة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من المهاجرين و الأنصار في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، فقال: من هؤلاء يا أبا الفضل؟ فقلت: هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في المهاجرين و الأنصار؛ فقال: يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. فقلت: ويحك! إنها النبوّة؛ قال: نعم إذا. فقلت الحق الآن بقومك فحذّرهم. فخرج سريعا حتى أتى مكة فصرخ في المسجد: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به.
قالوا: فمه! قال: من دخل داري فهو آمن. فقالوا: ويحك ما تغني عنّا دارك! قال: و من دخل المسجد فهو آمن و من أغلق عليه بابه فهو آمن.
[١] حمش الشيء: جمعه و فلانا هيجه.
[٢] يقال: دلفت الكتيبة إلى الكتيبة في الحرب أي تقدمت.
[٣] زيادة عن الطبري.