الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٢٧ - حديث استئمان العباس له و إسلامه في غزاة الفتح
/ إلى ذلك المجلس من غد و فيه أبو سفيان و الحبر. فقلت للحبر: بلغني أنك سألت ابن عمّي هذا عن رجل منّا يزعم أنه رسول اللّه، فأخبرك أنه عمّه، و ليس بعمّه و لكنّه ابن عمّه، و أنا عمّه أخو أبيه. فقال: أ أخو أبيه؟ قلت: أخو أبيه. فأقبل على أبي سفيان فقال: أصدق؟ قال: نعم صدق. قال فقلت: سلني عنه، فإن كذبت فليردد عليّ. فأقبل عليّ فقال: أنشدك اللّه، هل فشت لابن أخيك صبوة أو سفهة؟ قال قلت: لا و إله عبد المطّلب و لا كذب و لا خان، و إن كان اسمه عند قريش الأمين. قال: فهل كتب بيده؟ قال عبّاس: فظننت أنه خير له أن يكتب بيده، فأردت أن أقولها، ثم ذكرت مكان أبي سفيان و أنّه مكذّبي و رادّ عليّ،/ فقلت: لا يكتب. فذهب الحبر و ترك رداءه و جعل يصيح: ذبحت يهود! قتلت يهود! قال العباس: فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيان: يا أبا الفضل، إنّ اليهوديّ لفزع من ابن أخيك. قال قلت: قد رأيت ما رأيت، فهل لك يا أبا سفيان أن تؤمن به، فإن كان حقّا كنت قد سبقت، و إن كان باطلا فمعك غيرك من أكفائك؟ قال: لا و اللّه ما أو من به حتى أرى الخيل تطلع من كداء (و هو جبل بمكة). قال قلت: ما تقول؟! قال: كلمة و اللّه جاءت على فمي ما ألقيت لها بالا، إلا أني أعلم أن اللّه لا يترك خيلا تطلع من كداء. قال العباس: فلما فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مكة و نظرنا إلى الخيل قد طلعت من كداء، قلت: يا أبا سفيان، أتذكر الكلمة؟ قال لي: و اللّه إني لذاكرها، فالحمد للّه الذي هداني للإسلام.
حديث استئمان العباس له و إسلامه في غزاة الفتح:
حدّثنا [١] محمد بن جرير الطّبريّ قال حدّثنا البغويّ [٢] قال حدّثنا الغلابيّ أبو كريب/ محمد بن العلاء قال حدّثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال حدّثني الحسين بن عبيد اللّه بن العبّاس عن عكرمة عن ابن عبّاس قال:
لمّا نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مرّ [٣] الظّهران (يعني في غزاة الفتح) قال العبّاس بن عبد المطلب و قد خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من المدينة: يا صباح [٤] قريش! و اللّه لئن بغتها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إنها لهلاك قريش آخر الدهر. فجلس على بغلة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم البيضاء و قال: أخرج إلى الأراك [٥]، لعلّي أرى حطّابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيستأمنونه. فو اللّه إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان و حكيم [٦] بن حزام و بديل [٧] بن ورقاء يتجسّسون الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ فسمعت أبا سفيان و هو يقول:
[١] ورد هذا الخبر بسنده في «تاريخ الطبري» (ق ١ ص ٦٣٠ طبع أوروبا). و قد رواه ابن جرير الطبري عن أبي كريب مباشرة. و هو كثيرا ما يقول في تاريخه: «حدّثنا أبو كريب». فلعل ذكر اسمي البغوي و الغلابي هنا من زيادات النساخ.
[٢] هو أحمد بن منيع بن عبد الرحمن الحافظ الكبير أبو جعفر الأصم البغوي من شيوخ ابن جرير الطبري توفي ببغداد سنة ٢٤٤ ه.
[٣] مر الظهران: واد قرب مكة.
[٤] يا صباح كذا و يا صباحاه: مما يستعمل عند الانذار بالغارة.
[٥] الأراك: واد قرب مكة.
[٦] هو حكيم بن خويلد بن عبد العزي الأسدي أبو خالد ابن أخي خديجة زوج النبي صلى اللّه عليه و سلم. قال ابن إسحاق: أعطاه النبي صلى اللّه عليه و سلم من غنائم حنين مائة من الإبل، و ولد في جوف الكعبة قبل قدوم الفيل بثلاث عشرة سنة.
[٧] هو بديل بن ورقاء بن عبد العزيز بن ربيعة بن جزي بن عامر بن مازن بن عدي من خزاعة، و هو الذي كتب إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يدعوه إلى الإسلام، و هو من كبار مسلمة الفتح.