الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٢٦ - حديثه مع العباس حين بلغتهما بعثة النبي صلى الله عليه و سلم و هما باليمن و حديث الحبر اليهودي معهما
فخذيه و خاصرته، ثم كتب إلى رجل برومية [١] كان يقرأ العبرانيّة ما تقرءونه، فذكر له أمره و وصف له شأنه و أخبره بما جاء منه. فكتب إليه صاحب رومية: إنه النبيّ الذي كنّا ننتظره لا شكّ فيه، فاتّبعه و صدّقه. قال: فأمر هرقل ببطارقة الرّوم فجمعوا له في دسكرة [٢] ملكه، و أمر بها فأغلقت عليهم أبوابها، ثم اطّلع عليهم من علّيّة و خافهم على نفسه فقال: يا معشر الرّوم، قد جمعتكم لخبر، أتاني كتاب هذا الرجل يدعو إلى دينه، فو اللّه إنّه النبيّ الذي كنّا ننتظره و نجده في كتابنا؛ فهلمّ فلنبايعه و لنصدّقه فتسلم لنا دنيانا و آخرتنا. قال: فنخرت [٣] الروم نخرة رجل واحد و ابتدروا أبواب الدّسكرة/ ليخرجوا فوجدوها قد أغلقت دونهم. فقال: كرّوهم عليّ و خافهم على نفسه؛ فكرّوهم عليه. فقال: يا معشر الرّوم، إنما قلت لكم المقالة التي قلت لأنظر كيف صلابتكم في دينكم في هذا الأمر الذي قد حدث؛ فقد رأيت منكم الذي أسرّ به؛ فخرّوا سجّدا. و أمر بأبواب الدّسكرة ففتحت لهم فانطلقوا.
حديثه مع العباس حين بلغتهما بعثة النبيّ صلى اللّه عليه و سلم و هما باليمن و حديث الحبر اليهودي معهما:
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن زكريا الغلابيّ قال حدّثني أبو بكر الهذليّ عن عكرمة عن ابن عباس قال قال لي العبّاس:
خرجت في تجارة إلى رجل في ركب منهم أبو سفيان بن حرب، فقدمت اليمن. فكنت أصنع يوما طعاما و أنصرف بأبي سفيان و بالنّفر، و يصنع أبو سفيان يوما/ فيفعل مثل ذلك. فقال لي في يومي الذي كنت أصنع فيه:
هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتي و ترسل إلى غدائك؟ فقلت: نعم. فانصرفت أنا و النّفر إلى بيته و أرسلت إلى الغداء. فلما تغدّى القوم قاموا و احتبسني فقال لي: هل علمت يا أبا الفضل أن ابن أخيك يزعم أنه رسول اللّه؟
قلت: و أيّ بني أخي؟ قال أبو سفيان: إياي تكتم! و أيّ بني أخيك ينبغي له أن يقول هذا إلا رجل واحد! قلت:
و أيّهم هو على ذلك؟ قال: محمد بن عبد اللّه. قلت: ما فعل! قال: بلى قد فعل. ثم أخرج إليّ كتابا من ابنه حنظلة بن أبي سفيان: إني أخبرك أن محمدا قام بالأبطح [٤] غدوة فقال: أنا رسول اللّه أدعوكم إلى اللّه. قال: قلت:
يا أبا حنظلة، لعلّه صادق. قال: مهلا يا أبا الفضل، فو اللّه ما أحبّ أن تقول مثل هذا، و إني لأخشى أن تكون على بصر من هذا الأمر- و قال الحسن بن عليّ في روايته: على بصيرة من هذا الحديث- ثم قال: يا بني عبد المطّلب، إنه و اللّه ما برحت قريش تزعم أن لكم يمنة و شؤمة كلّ واحدة منهما عامّة، فنشدتك اللّه يا أبا الفضل هل سمعت ذلك؟ قلت نعم. قال: فهذه و اللّه إذا شؤمتكم. قلت: فلعلّها يمنتنا. فما كان بعد ذلك إلا ليال حتى قدم عبد اللّه بن حذافة السّهميّ بالخبر و هو مؤمن، ففشا ذلك في مجالس أهل اليمن يتحدّث به فيها. و كان أبو سفيان يجلس إلى حبر من أحبار اليمن؛ فقال له اليهوديّ: ما هذا الخبر الذي بلغني؟ قال: هو ما سمعت. قال: أين فيكم عمّ هذا الرجل الذي قال ما قال؟ قال أبو سفيان: صدقوا و أنا عمّه. قال اليهوديّ: أ أخو أبيه؟ قال نعم. قال: حدّثني عنه.
قال: لا تسألني، فما كنت أحسب أن يدّعي هذا الأمر أبدا، و ما أحبّ أن أعيبه، و غيره خير منه. قال اليهوديّ:
فليس به أذى، و لا بأس على يهود و توراة موسى منه. قال العباس: فتأدّى إليّ الخبر فحميت، و خرجت حتى أجلس
[١] رومية: هي عاصمة ايطاليا الآن.
[٢] الدسكرة: بناء على هيئة القصر فيه منازل و بيوت للخدم و الحشم.
[٣] نخر: مدّ الصوت من خياشيمه.
[٤] أبطح مكة: مسيل واديها.