الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥١٠ - أهدى الربيع للمنصور فكان يستخفه و أعتقه
/
و كنت إذا ما اشتدّ شوقي رحلتها
فسارت بمحزون كثير [١] البلابل [٢]
/ و كان رجلا صيّتا [٣]، فكاد صوته يذهب بي كلّ مذهب، و ما سمعت قبله و لا بعده مثله.
نسبة هذا الصوت
صوت
و ما لي لا أبكي و أندب ناقتي
إذا صدر الرّعيان ورد المناهل
و كنت إذا ما اشتدّ شوقي ركبتها
فسارت بمحزون كثير البلابل
الغناء لابن جامع خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن الهشاميّ و ابن المكّيّ.
أهدى الربيع للمنصور فكان يستخفه و أعتقه:
أخبرني وكيع قال حدّثني هارون بن محمد الزّيات قال حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن الفضل بن الربيع عن أبيه قال:
كنت في خمسين و صيفا أهدوا للمنصور، ففرّقنا في خدمته، فصرت إلى ياسر صاحب وضوئه. فكنت أراه يفعل شيئا أعلم أنه خطأ: يعطيه الإبريق في آخر المستراح و يقف مكانه لا يبرح. و قال لي يوما: كن مكاني في آخر المستراح. فكنت أعطيه الإبريق و أخرج مبادرا، فإذا سمعت حركته بادرت إليه. فقال لي: ما أخفّك على قلبي يا غلام! ويحك! ثم دخل قصرا من تلك القصور فرأى حيطانه مملوءة من الشعر المكتوب عليها. فبينا هو يقرأ ما فيه إذا هو بكتاب مفرد، فقرأه فإذا هو:
و ما لي لا أبكي و أندب ناقتي
إذا صدر الرّعيان نحو المناهل
و كنت إذا ما اشتدّ شوقي رحلتها
فسارت بمحزون طويل البلابل
/ و تحته مكتوب: آه آه، فلم يدر ما هو. و فطنت له فقلت: يا أمير المؤمنين، قد عرفت ما هو. فقال: قل؛ فقلت: قال الشعر ثم تأوّه فقال: آه آه، فكتب تأوّهه و تنفّسه و تأسّفه. فقال: مالك قاتلك اللّه! قد أعتقتك و ولّيتك مكان ياسر.
[١] في ح: «طويل».
[٢] البلابل: شدّة الهم و الوسواس في الصدر و حديث النفس.
[٣] الصيت: الجهير الصوت.