الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٧١ - اشترى مروان خمس فيء إفريقية بمال فوضعه عنه عثمان
ثابت بن عبد اللّه بن الزبير يقولان: قال عبد اللّه بن الزبير: أحاط بنا جرجير صاحب إفريقية و هو ملك إفرنجة في عشرين ألفا و مائة ألف و نحن في عشرين ألفا؛ فضاق بالمسلمين أمرهم و اختلفوا في الرأي، فدخل عبد اللّه بن سعد فسطاطه يخلو يفكّر. قال عبد اللّه بن الزبير: فرأيت عورة من جرجير و الناس على مصافّهم، رأيته على برذون أشهب خلف أصحابه منقطعا منهم، معه جاريتان له تظلّانه من الشمس بريش الطّواويس./ فجئت فسطاط عبد اللّه فطلبت الإذن عليه من حاجبه؛ فقال: إنه في شأنكم و إنه قد أمرني أن أمسك الناس عنه. قال: فدرت فأتيت مؤخّر فسطاطه فرفعته و دخلت عليه، فإذا هو مستلق على فراشه؛ ففزع و قال: ما الذي أدخلك عليّ يا ابن الزبير؟ فقلت: إيه و إيه! كلّ أزبّ نفور [١]! إني رأيت عورة من عدوّنا فرجوت الفرصة فيه و خشيت فواتها، فاخرج فاندب الناس إليّ. قال:
و ما هي؟ فأخبرته؛ فقال: عورة لعمري! ثم خرج فرأى ما رأيت؛ فقال: أيها الناس، انتدبوا مع ابن الزبير إلى عدّوكم. فاخترت ثلاثين فارسا، و قلت: إني حامل فاضربوا عن ظهري فإني سأكفيكم من ألقى إن شاء اللّه تعالى.
فحملت في الوجه الذي هو فيه و حملوا فذبّوا عنّي حتى خرقتهم [٢] إلى أرض خالية، و تبيّنته فصمدت [٣] صمده؛ فو اللّه ما حسب إلا أني رسول و لا ظنّ أكثر أصحابه إلا ذاك، حتى رأى ما بي من أثر السلاح، فثنى برذونه هاربا، فأدركته فطعنته فسقط، و رميت بنفسي عليه، و اتّقت جاريتاه عنه السيف فقطعت يد إحداهما. و أجهزت عليه ثم رفعت رأسه في رمحي، و جال أصحابه و حمل المسلمون في ناحيتي و كبّروا فقتّلوهم كيف شاءوا، و كانت الهزيمة.
فقال لي عبد اللّه بن سعد: ما أحد أحقّ بالبشارة منك، فبعثني إلى عثمان. و قدم مروان [٤] بعدي على عثمان/ حين اطمأنّوا و باعوا المغنم و قسّموه.
اشترى مروان خمس فيء إفريقية بمال فوضعه عنه عثمان:
و كان مروان قد صفق [٥] على الخمس بخمسمائة ألف، فوضعها عنه عثمان، فكان ذلك مما تكلّم فيه بسببه.
فقال عبد الرحمن بن حنبل [٦] بن مليل- و كان هو و أخوه كلدة أخوي صفوان بن أميّة بن خلف لأمه، و هي صفيّة بنت معمر بن حبيب [٧] بن وهب بن حذافة بن جمح، و كان أبوهما ممن سقط من اليمن إلى مكة-:
أحلف [٨] باللّه جهد اليمي
ن ما ترك اللّه أمرا سدى
[١] الأزب من الإبل: الذي يكثر شعر حاجبيه، و لا يكون الأزب إلا نفورا لأن الريح تضربه فينفر. و هذا مثل يضرب في عيب الجبان.
قاله زهير بن جذيمة لأخيه أسيد و كان أزب جبانا، و كان خالد بن جعفر بن كلاب يطلبه بذحل، و كان زهير يوما في إبله يهنؤها و معه أخوه أسيد، فرأى أسيد خالد بن جعفر قد أقبل في أصحابه فأخبر زهيرا بمكانهم فقال له زهير: كل أزب نفور. و إنما قال له هذا لأن أسيدا كان أشعر (عن «مجمع الأمثال» للميداني).
[٢] كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «حتى حزقتهم» و هو تصحيف. و «عبارة البيان المغرب في أخبار المغرب» لابن عذارى المراكشي: «خرقت صفوفهم ... إلخ».
[٣] صمد صمد الأمر: قصد قصده.
[٤] هو الخليفة مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس أبو عبد الملك الخليفة، و هو ابن عم عثمان بن عفان رضي اللّه عنه و كاتبه؛ و من أجله كان ابتداء فتنة عثمان رضي اللّه عنه و قتله. ثم انضم إلى ابن عمه معاوية ابن أبي سفيان و تولى عدة أعمال إلى أن وثب على الأمر بعد أولاد يزيد بن معاوية و بويع بالخلافة؛ فلم تطل مدته و مات في أول شهر رمضان سنة ٦٥ ه.
[٥] الصفق: التبايع، و هو من صفق اليد على اليد عند وجوب البيع.
[٦] كذا في ح و الاستيعاب في ترجمة عبد الرحمن بن حنبل و أخيه كلدة بن حنبل. و في سائر الأصول: «حسان» و هو تحريف.
[٧] كذا في «الاستيعاب» و «الطبقات الكبرى» لابن سعد (ج ٥ ص ٣٣٢ في ترجمة صفوان بن أمية). و في جميع الأصول: «خبيب» بالخاء المعجمة، و هو تصحيف.
[٨] في «الاستيعاب» في ترجمة عبد الرحمن: «و أحلف» و في «البيان المغرب»: «سأحلف».