الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٤ - مدح إسحاق غناءه و ذكر أصواتا له
فاستردّه سيّدنا و أحبّ أن يأخذه، فجعل يحيى يفسده. و فطن الأمين بذلك، فأمر له بعشرين ألف درهم و أمره بردّه و ترك التخليط، فدعا له و قبّل الأرض بين يديه و ردّ الصوت و جوّده؛ ثم استعاده. فقال له يحيى: ليست تطيب لك نفسي به إلا بعوض من مالك، و لا أنصحك و اللّه فيه، فهذا مال مولاي أخذته، فلم تأخذ أنت غنائي! فضحك الأمين و حكم على إبراهيم بعشرة آلاف درهم فأحضرها. فقبّل يحيى يده و أعاد الصوت و جوّده، فنظر إلى مخارق و علّويه يتطلّعان لأخذه فقطع الصوت؛ ثم أقبل عليهما و قال: قطعة من خصية الشيخ تغطي أستاه عدّة صبيان، و اللّه لا أعدته بحضرتكما. ثم أقبل على مولانا- تعنيان إبراهيم بن المهدي- فقال: يا سيّدي، إني أصير إليك حتى تأخذه عنّي متمكّنا و لا يشركك فيه أحد. فصار إليه فأعاده حتى أخذه عنه، و أخذناه معه.
غنى للرشيد بتل دارا فأكرمه:
أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى قال حدّثنا أبو أيّوب المديني قال حدّثني أحمد بن يحيى المكي عن أبيه قال:
/ أرسل إليّ هارون الرشيد، فدخلت إليه و هو جالس على كرسيّ بتلّ دارا [١]، فقال: يا يحيى، غنّني:
متى تلتقي الألّاف و العيس كلّما
تصعّدن من واد هبطن إلى واد
فلم أزل أغنّيه إيّاه و يتناول قدحا إلى أن أمسى. فعددت عشر مرّات استعاد فيها الصوت، و شرب عشرة أقداح، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم، و أمرني بالانصراف.
مدح إسحاق غناءه و ذكر أصواتا له:
و قال محمد بن أحمد بن يحيى المكي في خبره حدّثني أبي أحمد بن يحيى قال:
قال لي إسحاق: يا أبا جعفر، لأبيك مائة و سبعون صوتا، من أخذها عنه بمائة و سبعين ألف درهم فهو الرابح. فقلت لأبي: أيّ شيء تعرف منها؟ فقال: لحنه في شعر الأخطل:
صوت
خفّ القطين فراحوا منك و ابتكروا [٢]
و أزعجتهم نوّى في صرفها غير
كأنني شارب يوم استبدّ بهم
من قهوة عتّقتها حمص أو جدر [٣]
لحن يحيى المكيّ في هذين البيتين ثقيل أول- هكذا في الخبر- و لإبراهيم فيهما ثقيل أوّل آخر، و لابن سريج رمل.
[١] دارا (بالقصر): بلدة في لحف جبل بين نصيبين و ماردين، و هي من بلاد الجزيرة، ذات بساتين و مياه جارية، و من أعمالها يجلب المحلب الذي تتطيب به الأعراب، و عندها كان معسكر دارا الملك بن قباذ الملك لما لقي الإسكندر المقدوني، فقتله الإسكندر و تزوج ابنته. و بنى في موضع معسكره هذه المدينة و سماها باسمه. و هي أيضا قلعة حصينة في جبال طبرستان، و واد في ديار بني عامر.
[٢] في أ، ء، م و «ديوان الأخطل»:
«... أو بكروا»
. و هذان البيتان من قصيدة له من فاخر شعره، قالها يمدح عبد الملك بن مروان و يهجو قيسا و بني كليب.
[٣] جدر: قرية بين حمص و سلمية، تنسب إليها الخمر، و هي قرب دير إسحاق. و قد ورد الشطر الأخير في «ديوانه» و «معجم البلدان» هكذا:
«من قرقف ضمنتها حمص أو جدر»