الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠٩ - أظهر إسحاق غلطه فأرسل له هدايا و عاتبه
ثم عرضه على إسحاق فعرّفه عوارا [١] كثيرا/ في نسبه، لأن جدّي كان لا يصحّح لأحد نسبه صوت البتّة، و ينسب صنعته إلى المتقدمين، و ينحل بعضهم صنعة بعض ضنّا بذلك على غيره، فسقط من عين عبد اللّه و بقي في خزانته؛ ثم وقع إلى محمد بن عبد اللّه، فدعا أبي، و كان إليه محسنا و عليه مفضلا، فعرضه عليه؛ فقال له: إن في هذه [٢] النّسب تخليطا كثيرا، خلّطها/ أبي لضنه بهذا الشأن على الناس، و لكني أعمل لك كتابا أصحح هذا و غيره فيه. فعمل له كتابا فيه اثنا عشر ألف صوت و أهداه إليه، فوصله محمد بثلاثين ألف درهم. و صحّح له الكتاب الأوّل أيضا فهو في أيدي الناس. قال وسواسة: و حدّثني حمّاد أن أباه إسحاق كان يقدّم يحيى المكيّ تقديما كثيرا و يفضّله [٣] و يناضل [٤] أباه و ابن جامع فيه، و يقول: ليس يخلو يحيى فيما يرويه من الغناء الذي لا يعرفه أحد منكم من أحد أمرين: إمّا أن يكون محقّا [فيه] [٥] كما يقول، فقد علم ما جهلتم، أو يكون من صنعته و قد نحله المتقدّمين، كما تقولون، فهو أفضل [له] [٥] و أوضح لتقدّمه عليكم. قال: و كان أبي يقول: لو لا ما أفسد به يحيى المكي نفسه من تخليطه في رواية الغناء على المتقدّمين و إضافته إليهم ما ليس لهم و قلّة ثباته على ما يحكيه من ذلك، لما تقدّمه أحد. و قال محمد بن الحسن الكاتب: كان يحيى يخلّط في نسب الغناء تخليطا كثيرا، و لا يزال يصنع الصوت بعد الصوت يتشبّه فيه بالغريض مرّة و بمعبد أخرى و بابن سريج و ابن محرز، و يجتهد في إحكامه و إتقانه حتى يشتبه على سامعه؛ فإذا حضر مجالس الخلفاء غنّاه على ما أحدث [فيه] [٦] من ذلك، فيأتي بأحسن [٧] صنعة و أتقنها،/ و ليس أحد يعرفها؛ فيسأل عن ذلك فيقول: أخذته عن فلان و أخذه فلان عن يونس أو عن نظرائه من رواة الأوائل، فلا يشكّ في قوله، و لا يثبت لمباراته أحد، و لا يقوم لمعارضته و لا يفي بها؛ حتى نشأ إسحاق فضبط الغناء و أخذه من مظانّه و دوّنه، و كشف عوار يحيى في منحولاته و بيّنها للناس.
أظهر إسحاق غلطه فأرسل له هدايا و عاتبه:
أخبرني عمّي [قال] سمعت عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر يذكر عن أحمد بن سعيد المالكيّ- و كان مغنيا منقطعا إلى طاهر و ولده و كان من القوّاد- قال:
حضرت يحيى المكيّ يوما و قد غنّى صوتا فسئل عنه فقال: هذا لمالك- و لم يحفظ أحمد بن سعيد الصوت- ثم غنّى لحنا لمالك فسئل عن صانعه فقال: هذا لي؛ فقال له إسحاق: قلت ما ذا؟ فديتك، و تضاحك به. فسئل عن صانعه فأخبر به، ثم غنّى الصوت. فخجل يحيى حتى أمسك عنه؛ ثم غنّى بعد ساعة في الثقيل الأوّل، و اللحن:
صوت
إنّ الخليط أجدّ فاحتملا
و أراد غيظك بالذي فعلا
[١] العوار (مثلثة): العيب.
[٢] كذا في ح. و في سائر الأصول: «هذا».
[٣] في ب، س: «و يصله».
[٤] كذا في ح. و في سائر الأصول: «و يواصل» و هو تحريف.
[٥] زيادة عن ح.
[٦] هذه الكلمة ساقطة في ب، س.
[٧] في ب، س: «أحسن».