الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩٠ - وقعة دولاب و شيء من أخبار الشراة
و كان لعبد القيس أوّل جدّها
و ولّت شيوخ الأزد فهي تعوم [١]
فلم أر يوما كان أكثر مقعصا
يمجّ دما من فائظ و كليم [٢]
و ضاربة خدّا كريما على فتى
أغرّ نجيب الأمهات كريم
أصيب بدولاب و لم تك موطنا
له أرض دولاب و دير حميم [٣]
فلو شهدتنا يوم ذاك و خيلنا
تبيح من الكفّار كلّ حريم
رأت فتية باعوا الإله نفوسهم
بجنّات عدن عنده و نعيم
حدّثني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا خلّاد [٤] الأرقط قال:
/ كان الشّراة و المسلمون يتواقفون و يتساءلون بينهم عن أمر الدّين و غير ذلك على أمان و سكون فلا يهيج بعضهم بعضا. فتواقف يوما عبيدة بن هلال اليشكريّ و أبو حزابة [٥] التّميمي و هما في الحرب؛ فقال عبيدة: يا أبا حزابة، إني سائلك عن أشياء، أ فتصدقني في الجواب عنها؟ قال: نعم إن تضمّنت لي مثل ذلك؛ قال: قد فعلت.
قال: سل عما بدا لك. قال: ما تقول في أئمتكم؟ قال: يبيحون الدم الحرام و المال الحرام و الفرج الحرام. قال:
ويحك! فكيف فعلهم في المال؟ قال: يجبونه من غير حلّه، و ينفقونه في غير حقه. قال: فكيف فعلهم في اليتيم؟
قال: يظلمونه ماله، و يمنعونه حقه، و ينيكون أمّه. قال: ويلك يا أبا حزابة! أ فمثل هؤلاء تتّبع؟! قال: قد أجبت، فاسمع سؤالي ودع عنك عتابي على رأيي؛ قال: قل. قال: أيّ الخمر أطيب: أخمر السهل أم خمر الجبل؟ قال:
ويلك! أ تسأل مثلي عن هذا؟ قال: قد أوجبت على نفسك أن تجيب؛ قال: أمّا إذ أبيت فإنّ خمر الجبل أقوى و أسكر، و خمر السهل أحسن و أسلس. قال أبو حزابة: فأيّ الزّواني أفره: أ زواني رامهرمز [٦] أم زواني أرّجان [٧]؟
قال: ويلك! إن مثلي لا يسأل عن مثل هذا؛ قال: لا بدّ من الجواب أو تغدر؛ فقال: أمّا إذ أبيت فزواني رامهرمز أرقّ أبشارا، و زواني أرّجان أحسن أبدانا. قال: فأيّ الرجلين أشعر: أ جرير أم الفرزدق؟ قال: عليك و عليهما لعنة اللّه! أيهما الذي يقول:
/
و طوى الطّراد مع القياد [٨] بطونها
طيّ التّجار بحضر موت برودا
[١] في هذا البيت إقواء.
[٢] المقعص: يقال: أقعصه بالرمح إذا طعنه به فمات مكانه. و الفائظ: الميت، فعله فاظ يفيظ و يفوظ فيظا و فوظا. و الكليم: الجريح.
[٣] دير حميم: موضع بالأهواز، ذكره ياقوت و استشهد بهذا البيت.
[٤] هو خلاد بن يزيد الباهلي البصري المعروف بالأرقط صهر يونس بن حبيب النحوي.
[٥] كذا في ح. و هو الوليد بن حنيفة أحد بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، شاعر من شعراء الدولة الأموية. (راجع «شرح القاموس» مادة حزب. و ترجمته في «الأغاني» ج ١٩ ص ١٥٢- ١٥٦ طبع بولاق). و في سائر الأصول: «أبو خرابة» (بالخاء المعجمة و الراء المهملة) و هو تصحيف.
[٦] رامهرمز: مدينة مشهورة بنواحي خوزستان و العامة يسمونها «رامز» اختصارا.
[٧] أرجان (بفتح الألف و بتشديد الراء مفتوحة- و قيل بسكونها- و جيم و ألف و نون، و عامة العجم يسمونها «أرغان»): مدينة كبيرة كثيرة الخير بها نخيل و زيتون و فواكه، و هي برية بحرية سهلية جبلية، و بينها و بين سوق الأهواز ستون فرسخا.
[٨] كذا في أ، ء و «ديوان جرير». و هو من قصيدة طويلة مطلعها:
أهوى أراك برامتين وقودا
أم بالجنينة من مدافع أودا
و في سائر الأصول: «الغياد» (بالغين المعجمة) و هو تحريف.