الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٧٩ - أخبره أهله بموت أسماء و لما علم بزواجها من المرادي رحل إليها و مات عندها
طلب المرقّش حتى أتى المكان، فسأل عن خبره فعرف أنّ مرقّشا كان في الكهف و لم يزل فيه حتى إذا هو [١] بغنم تنزو على الغار الذي هو فيه و أقبل راعيها إليها. فلما بصر به قال له: من أنت و ما شأنك؟ فقال له مرقّش: أنا رجل من مراد، و قال للراعي [٢]: من أنت؟ قال: راعى فلان، و إذا هو راعى زوج أسماء. فقال له مرقّش: أ تستطيع أن تكلّم أسماء امرأة صاحبك؟ قال: لا، و لا أدنو منها؛ و لكن تأتيني جاريتها كلّ ليلة فأحلب لها عنزا فتأتيها بلبنها.
فقال له: خذ خاتمي هذا، فإذا حلبت فألقه في اللبن، فإنها ستعرفه، و إنك مصيب به خيرا لم يصبه راع قطّ إن أنت فعلت ذلك. فأخذ الراعي الخاتم. و لما راحت الجارية بالقدح و حلب لها العنز طرح الخاتم فيه؛ فانطلقت الجارية به و تركته بين يديها. فلما سكنت الرّغوة أخذته فشربته، و كذلك كانت تصنع، فقرع الخاتم ثنيّتها، فأخذته و استضاءت بالنار فعرفته؛ فقالت للجارية:/ ما هذا الخاتم؟ قالت: ما لي به علم؛ فأرسلتها إلى مولاها و هو في شرف [٣] بنجران؛ فأقبل فزعا؛ فقال لها: لم دعوتني؟ قالت له: ادّع عبدك راعي غنمك فدعاه؛ فقالت: سله أين وجد هذا الخاتم! قال: وجدته مع رجل في كهف خبّان [٤].- قال: و يقال كهف جبار- فقال: اطرحه في اللبن الذي تشربه أسماء فإنك مصيب به خيرا، و ما أخبرني من هو، و لقد تركته بآخر رمق. فقال لها زوجها: و ما هذا الخاتم؟
قالت: خاتم مرقّش، فأعجل السّاعة في طلبه. فركب فرسه و حملها على فرس آخر و سارا حتى طرقاه من ليلتهما فاحتملاه إلى أهلهما، فمات عند أسماء. و قال قبل أن يموت:
سرى ليلا خيال من سليمى
فأرّقني و أصحابي هجود
فبتّ أدير أمري كلّ حال
و أذكر أهلها و هم بعيد
على أن قد سما طرفي لنار
يشبّ لها بذي الأرطى [٥] وقود
/ حواليها مها بيض التّراقي [٦]
و آرام و غزلان رقود
نواعم لا تعالج بؤس عيش
أوانس لا تروح [٧] و لا ترود
يرحن معا بطاء المشيء بدّا [٨]
عليهنّ المجاسد و البرود
سكن ببلدة و سكنت أخرى
و قطّعت المواثق و العهود
فما بالي أفي و يخان عهدي
و ما بالي أصاد و لا أصيد
/ و ربّ أسيلة الخدّين بكر
منعّمة لها فرع و جيد [٩]
[١] كذا في ح و «تجريد الأغاني». و في سائر الأصول: «هم» و هو تحريف.
[٢] كذا في ح. و في سائر الأصول: «قال فراعي من أنت».
[٣] في «المفضليات»: «شرب» جمع شارب.
[٤] في الأصول: «جبان» (بالجيم) و هو تصحيف. و التصويب عن كتاب «معجم ما استعجم» و «معجم البلدان» و «شرح المفضليات».
[٥] الأرطى: شجر ينبت بالرمل و هو شبيه الغصى، ينبت عصيا من أصل واحد و يطول قدر قامة، و له نور مثل نور الخلاف و رائحته طيبة.
[٦] في «المفضليات»: «جم التراقي». يريد أن عظامها قد غمرها اللحم فلا حجم لها.
[٧] في «المفضليات»: «لا تراح».
[٨] بد: جمع أبد و الأنثى بداء. و هو كثرة لحم الفخذين حتى تصطكا.
[٩] استشهد بهذا البيت في النحو على حذف الصفة و إبقاء الموصوف، أي لها فرع فاحم و جيد طويل. إذ هذا البيت للمدح، و هو لا يحصل بإثبات الفرع و الجيد مطلقين بل بإثباتهما موصوفين بصفتين محبوبتين.