الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٣٣ - أسبره الحجاج و ذكره بشعر قاله ليبكته ثم قتله
و إلا تناولهنّ منك برحمة
يكن سبايا و البعولة أعبدا
تعطّف أمير المؤمنين عليهم
فقد تركوا أمر السفاهة و الرّدى
لعلهم أن يحدثوا العام توبة
و تعرف نصحا منهم و تودّدا
لقد شمت [١] يا ابن الأشعث العام مصرنا
فظلّوا و ما لاقوا من الطير أسعدا
كما شاءم اللّه النّجير [٢] و أهله
بجدّك من قد كان أشقى و أنكدا
فقال من حضر من أهل الشام: قد أحسن أيها الأمير، فخلّ سبيله؛ فقال: أ تظنون أنه أراد المدح! لا و اللّه! لكنه قال هذا أسفا لغلبتكم إياه و أراد به أن يحرّض أصحابه. ثم أقبل عليه فقال له: أ ظننت يا عدوّ اللّه أنك تخدعني بهذا الشعر و تنفلت من يدي حتى تنجو! أ لست القائل! ويحك!.
و إذا سألت: المجد أين محلّه
فالمجد بين محمد و سعيد
/ بين الأغرّ و بين قيس باذخ
بخ بخ لوالده و للمولود
/ و اللّه لا تبخبخ بعدها أبدا. أ و لست القائل:
و أصابني قوم و كنت أصيبهم
فاليوم أصبر للزمان و أعرف!
كذبت و اللّه، ما كنت صبورا و لا عروفا. ثم قلت بعده:
و إذا تصبك من الحوادث نكبة
فاصبر فكل غيابة ستكشّف
أما و اللّه لتكوننّ نكبة لا تنكشف غيابتها عنك أبدا! يا حرسيّ، اضرب عنقه؛ فضرب عنقه.
و ذكر مؤرّج السّدوسيّ أن الأعشى كان شديد التحريض على الحجّاج في تلك الحروب، فجال أهل العراق جولة ثم عادوا، فنزل عن سرجه و نزعه عن فرسه، و نزع درعه فوضعها فوق السرج، ثم جلس عليها فأحدث و الناس يرونه، ثم أقبل عليهم فقال لهم: لعلكم أنكرتم ما صنعت! قالوا: أ و ليس هذا موضع نكير؟ قال: لا، كلّكم قد سلح في سرجه و درعه خوفا و فرقا، و لكنكم سترتموه و أظهرته؛ فحمي القوم و قاتلوا أشدّ قتال يومهم إلى الليل، و شاعت فيهم الجراح و القتلى، و انهزم أهل الشأم يومئذ، ثم عاودوهم من غد و قد نكأتهم [٣] الحرب؛ و جاء مدد من أهل الشأم؛ فباكروهم القتال و هم مستريحون فكانت الهزيمة و قتل ابن الأشعث. و قد حكيت هذه الحكاية عن أبي كلدة [٤] اليشكريّ أنه فعلها في هذه الوقعة، و ذكر ذلك أبو عمرو الشّيباني في أخبار أبي كلدة [٤]، و قد ذكر ما حكاه مع أخباره في موضعه من هذا الكتاب.
[١] رواية هذا البيت في الطبري هكذا:
لقد شأم المصرين فرخ محمد
بحق و ما لاقى من الطير أسعدا
و لعل رواية الأصل كانت: «لقد شأمت» فسهلت الهمزة ثم حذفت. يقال: شأم فلان أصحابه يشأمهم إذا أصابهم شؤم من قبله.
[٢] النجير: حصن باليمن قرب حضر موت منيع، لجأ إليه أهل الردة مع الأشعث بن قيس في أيام أبي بكر رضي اللّه عنه فحاصره زياد بن لبيد البياضي حتى افتتحه عنوة و قتل من فيه و أسر الأشعث بن قيس و ذلك في سنة ١٢ للهجرة (راجع «معجم البلدان» لياقوت).
[٣] نكأ (بالهمز) لغة في نكى بمعنى أثخن و أكثر الجرح و القتل.
[٤] في جميع الأصول هنا: «ابن حلزة» و هو تحريف. و قد وردت هذه القصة في أخبار أبي كلدة اليشكري في الجزء العاشر من «الأغاني» (ص ١١٠- ١٢٠) طبع بولاق. و قد ذكر أبو كلدة هذا في «الشعر و الشعراء» و «الطبري» باسم: أبي جلدة (بالجيم) و ذكره «اللسان» في مادة: كلد (بالكاف) كما في «الأغاني».