الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩٥ - قصته في خطبة ابنة عمه و رحلته إلى ثغر من الثغور و شعره في ذلك
أما و جلال اللّه لو تذكرينني
كذكريك ما كفكفت للعين مدمعا
فقالت بلى و اللّه ذكرا لو أنّه
يصبّ على صمّ الصّفا لتصدعا
أسلي نفسي عنها و أخبرها أنها لو ذكرتني كما قالت لكانت في مثل حالي.
قصته في خطبة ابنة عمه و رحلته إلى ثغر من الثغور و شعره في ذلك:
أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني مسعود بن عيسى بن إسماعيل العبدي عن موسى بن عبد اللّه التّيميّ قال.
/ خطب الصّمّة القشيريّ بنت عمّه و كان لها محبّا، فاشتطّ عليه عمّه في المهر؛ فسأل أباه أن يعاونه و كان كثير المال فلم يعنه بشيء؛ فسأل عشيرته فأعطوه؛ فأتى بالإبل عمّه؛ فقال: لا أقبل هذه في مهر ابنتي، فاسأل أباك أن يبدلها لك؛ فسأل ذلك أباه فأبى عليه؛ فلما رأى ذلك من فعلهما قطع عقلها و خلّاها، فعاد كلّ بعير منها إلى ألّافه.
و تحمّل الصّمّة راحلا. فقالت بنت عمه حين رأته يتحمّل: تاللّه ما رأيت كاليوم رجلا باعته عشيرته بأبعرة. و مضى من وجهه حتى لحق بالثغر؛ فقال و قد طال مقامه و اشتاقها و ندم على فعله:
أ تبكي على ريّا و نفسك باعدت
مزارك من ريّا و شعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا
و تجزع أنّ داعي الصبابة أسمعا
و قد أخبرني بهذا الخبر جعفر بن قدامة قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عديّ: أن الصّمّة خطب ابنة عمّه هذه إلى أبيها؛ فقال له: لا أزوّجكها إلا على كذا و كذا من الإبل؛ فذهب إلى أبيه فأعلمه بذلك و شكا إليه ما يجد بها؛ فساق الإبل عنه إلى أخيه؛ فلما جاء بها عدّها عمّه فوجدها تنقص بعيرا، فقال: لا آخذها إلا كاملة؛ فغضب أبوه و حلف لا يزيده على ما جاء به شيئا. و رجع إلى الصّمّة؛ فقال له: ما وراءك؟ فأخبره؛ فقال:
تاللّه ما رأيت قطّ ألأم منكما جميعا؛ و إني لألأم منكما إن أقمت بينكما؛ ثم ركب ناقته و رحل إلى ثغر من الثغور، فأقام به حتى مات. و قال في ذلك:
أ من ذكر دار بالرّقاشين [١] أصبحت
بها عاصفات الصيف بدءا و رجّعا
/ حننت إلى ريّا و نفسك باعدت
مزارك من ريا و شعباكما معا
/ فما حسن أن تأتي الأمر طائعا
و تجزع أن داعي الصبابة أسمعا
كأنك لم نشهد وداع مفارق
و لم تر شعبي صاحبين تقطّعا
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها
عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
تحمّل أهلي من قنين [٢] و غادروا
به أهل ليلى حين جيد [٣] و أمرعا
[١] الرقاشان: جبلان بأعلى الشريف في ملتقى دار كعب و كلاب. و رواية البيت في «معجم ما استعجم» لأبي عبيد البكري- و قد نسبه ليزيد بن الطثرية-:
أ من أجل دار بالرقاشين أعصفت
عليها رياح الصيف بدءا و رجعا
[٢] لم نوفق إلى هذا الاسم في المعاجم التي بين أيدينا. و ظاهر أنه اسم موضع أو محرف عن اسم موضع.
[٣] جيد: أصابه الجود و هو المطر الغزير.