السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٠٨ - باب غزوة بدر الكبرى
فقال: من ماء العراق» أي و أضيف الماء إلى العراق لكثرته به، و فيه أن هذا من التوراة، و قد تقدم في أوائل الهجرة أنه لا ينبغي لنبي أن يكذب و لو صورة، و منه التوراة.
لكن في كلام القاضي البيضاوي و ما روي «أنه عليه الصلاة و السلام قال لإبراهيم عليه الصلاة و السلام ثلاث كذبات» تسمية للمعاريض كذبا لما شابهت صورتها صورته.
ثم رجع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أصحابه و دعا لهم فقال: اللهم إنهم حفاة فاحملهم اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأشبعهم، ففتح اللّه لهم يوم بدر، فانقلبوا حين انقلبوا و ما منهم رجل إلا و قد رجع بجمل أو جملين و اكتسوا و شبعوا» أخرجه أبو داود عن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنه: أي شبعوا و اكتسوا بما أصابوه من كسوة و أزواد قريش.
و في الإمتاع أن دعاءه (صلى اللّه عليه و سلم) المذكور كان عند مفارقته محل معسكره بالمدينة و هو بيوت السقيا كما تقدم، و تقدم فيه زيادة و عالة فأغنهم، فأصابوا الأسرى فاغتنى بهم كل عائل و لا مانع أن يكون دعاؤه (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك تكرر.
«فلما أمسى (صلى اللّه عليه و سلم) بعث عليّ بن أبي طالب و الزبير بن العوام و سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم إلى بدر يلتمسون الخبر، فأصابوا رواية لقريش معها غلام لبني الحجج و غلام لبني العاص، فأتوا بهما و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قائم يصلي، فقالوا: لمن أنتما؟ و ظنوا أنهما لأبي سفيان، فقالا: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم من الماء فضربوهما، فلما أوجعوهما ضربا قالا: نحن لأبي سفيان فتركوهما، فلما فرغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من صلاته قال: إذا صدقا كم ضربتموها و إذا كذبا كم تركتموها، صدقا و اللّه، إنهما لقريش، أخبراني عن قريش، قالا: هم وراء هذا الكثيب» أي التل من الرمل الذي يرى بالعدوة القصوى: أي جانب الوادي المرتفع «فقال لهما رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): كم القوم؟ قالا كثير» أي و في لفظ هم و اللّه كثير عددهم، شديد بأسهم، قال: ما عدتهم؟ قالا لا ندري، أي و جهد النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أن يخبراه كم هم فأبيا. قال (صلى اللّه عليه و سلم) كم تنحرون؟ أي من الجزر كل يوم؟ قالا يوما تسعا و يوما عشرا، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): القوم ما بين التسعمائة و الألف» أي لكل جزور مائة، ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة بن ربيعة، و شيبة بن ربيعة، و أبو البختري بن هشام، و حكيم بن حزام، و نوفل بن خويلد، و الحارث بن عامر بن نوفل، و طعيمة بن عدي بن نوفل، و النضر بن الحارث، و زمعة بن الأسود، و أبو جهل بن هشام، و أمية بن خلف، و نبيه و منبه ابنا الحجاج و سهيل بن عمرو العامري أي رضي اللّه تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك يوم الفتح، و هو من أشراف قريش