السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١١٣ - باب الهجرة إلى المدينة
المساجد، فلم أدر ما أكتب، لأنه شيء لم أسبق إليه، فأريت في المنام أكتب، فإن فيها أنسا للمتهجدين، و نفيا لبيوت اللّه عن وحشة الظلم، فانتبهت و كتبت بذلك. قال بعضهم: لكن زيادة الوقود كالواقع ليلة النصف من شعبان، و يقال لها ليلة الوقود ينبغي أن يكون ذلك كتزويق المساجد و نقشها. و قد كرهه بعضهم و اللّه أعلم.
قال: و ذكر ابن إسحاق في كتاب المبدأ و قصص الأنبياء عليهم الصلاة و السلام أن تبع بن حسان الحميري، هو تبع الأول: أي الذي ملك الأرض كلها شرقها و غربها، و تبع بلغة اليمن: الملك المتبوع، و يقال له الرئيس لأنه رأس الناس بما أوسعهم من العطاء و قسم فيهم من الغنائم، و كان أول من غنم.
و لما عمد إلى البيت يريد تخريبه رمي بداء تمخض منه رأسه قيحا و صديدا، و أنتن حتى لا يستطيع أحد أن يدنو منه قيد رمح كما تقدم، و تقدم أنه بعد ذلك كسا الكعبة، و بعد ذلك اجتاز بيثرب، و كان في ركابه مائة ألف و ثلاثون ألفا من الفرسان، و مائة ألف و ثلاثة عشر ألفا من الرجالة، فأخبر أن أربعمائة رجل من أتباعه من الحكماء و العلماء تبايعوا أن لا يخرجوا منها، فسألهم عن الحكمة في ذلك؟ فقالوا:
إن شرف البيت إنما هو برجل يخرج يقال له محمد هذه دار إقامته و لا يخرج منها، فبنى فيها لكل واحد منهم دارا، و اشترى له جارية و أعتقها و زوجها منه، و أعطاهم عطاء جزيلا، و كتب كتابا و ختمه و دفعه إلى عالم عظيم منهم، و أمره أن يدفع ذلك الكتاب لمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) إن أدركه، و في ذلك الكتاب، أنه آمن به و على دينه، و بني دار له (صلى اللّه عليه و سلم) ينزلها إذا قدم تلك البلد و يقال إنها دار أبي أيوب. أي كما تقدم، و أنه من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، أي فهو (صلى اللّه عليه و سلم) لم ينزل إلا داره أي على ما تقدم.
و لما خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أي دعا إلى الإسلام أرسلوا إليه ذلك الكتاب مع شخص يسمى أبا ليلى، فلما رآه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال له: أنت أبو ليلى الذي معك كتاب تبع الأول؟ فقال له أبو ليلى: من أنت؟ قال: أنا محمد، هات الكتاب، فلما قرأه: أي قرىء عليه. و ذكر بعضهم: أن مضمون الكتاب. أما بعد يا محمد، فإني آمنت بك و بربك و رب كل شيء، و بكل ما جاءك من ربك من شرائع الإسلام و الإيمان. و إني قلت ذلك، فإن أدركتك فيها و نعمت، و إن لم أدركك فاشفع لي يوم القيامة و لا تنسني فإني من أصل الأولين، و بايعتك قبل مجيئك و قبل أن يرسلك اللّه، و أنا على ملتك و ملة إبراهيم. و ختم الكتاب و تلا: أي قرأ عليه لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ [الروم: الآية ٤] فقد قرأ هذا قبل نزوله: و كتب عنوان الكتاب: إلى محمد بن عبد اللّه خاتم النبيين و المرسلين و رسول رب العالمين، من تبع الأول حمير، أمانة اللّه في يد من وقع هذا الكتاب في يده،