السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٣ - باب عرض رسول اللّه
ذلك؟ فأنطق اللّه تعالى الحجر، فقال: منذ سمعت أن اللّه تعالى نارا وقودها الناس و الحجارة و أنا أبكي هذا الدمع خوفا من تلك النار، فاشفع لي عند ربك، فشفع له، فشفع فيه و بشره بذلك. ثم مرّ به بعد مدة فإذا الماء يخرج منه، فقال: أ لم أبشرك أن اللّه أنجاك من النار فما هذا؟ فقال: يا نبيّ اللّه ذاك بكاء الخوف و الخشية، و هذا بكاء الفرح و السرور» و من ثم لما قال (صلى اللّه عليه و سلم) لأبيّ بن كعب «إن اللّه أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا: أي لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [البيّنة: الآية ١] بكى من الفرح، و قال: أو ذكرت هناك؟» أي ذكرني اللّه عز و جل و في لفظ «و سماني؟ قال نعم».
و في سفر السعادة قال العلماء: البكاء على عشرة أنواع: بكاء فرح، و بكاء حزن لما فات، و بكاء رحمة، و بكاء خوف لما يحصل، و بكاء كذب كبكاء النائحة فإنها تبكي بشجو غيرها، و بكاء موافقة بأن يرى جماعة يبكون فيبكي مع عدم علمه بالسبب، و بكاء المحبة و الشوق، و بكاء الجزع من حصول ألم لا يحتمله، و بكاء الخور و الضعف، و بكاء النفاق، و هو أن تدمع العين و القلب قاس. و البكا بالقصر:
دمع العين من غير صوت. و الممدود: ما كان معه صوت. و أما التباكي فهو تكلف البكاء. و هو نوعان: محمود و مذموم؛ فالأول ما يكون لاستجلاب رقة القلب، و هو المراد بقول سيدنا عمر رضي اللّه تعالى عنه لما رأى المصطفى (صلى اللّه عليه و سلم) و أبا بكر يبكيان في شأن أسارى بدر: أخبرني ما يبكيك يا رسول اللّه؟ فإن وجدت بكاء بكيت و إلا تباكيت، و من ثم لم ينكر عليه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك. و الثاني ما يكون لأجل الرياء و السمعة.
قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه إحدى راحلتيّ هاتين، فإني أعددتهما للخروج، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «بل بالثمن» أي لتكون هجرته (صلى اللّه عليه و سلم) إلى اللّه تعالى بنفسه و ماله، أي و إلا فقد أنفق أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه أكثر ماله عليه (صلى اللّه عليه و سلم):
أي فعن عائشة رضي اللّه تعالى عنها: «أنفق أبو بكر على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أربعين ألف درهم». و في لفظ «دينار» و من ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم) «ليس من أحد أمنّ عليّ في أهل و مال من أبي بكر» و في رواية «ما أحد أمنّ علي في صحبته و ذات يده من أبي بكر، و ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر، فبكى أبو بكر و قال: هل أنا و مالي إلا لك يا رسول اللّه؟» و في رواية «ما لأحد عندنا يد إلا و قد كافأناه ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدا اللّه يكافئه بها يوم القيامة».
أقول: و لا ينافي كونه (صلى اللّه عليه و سلم) أخذ إحدى ناقتي أبي بكر بالثمن ما رواه أبان بن أبي عياش أحد التابعين عن أنس رضي اللّه تعالى عنه، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه «ما أطيب مالك: منه بلال مؤذني، و ناقتي التي هاجرت عليها، و زوجتني ابنتك و واسيتني بمالك كأني أنظر إليك على باب الجنة تشفع لأمتي» لأن أبان بن أبي عياش معدود من الضعفاء.