السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٤٧ - باب بدء الأذان و مشروعيته
الحديث «فقعد أحدهما عند رأسي و الآخر تحت رجلي» فقال أحدهما: ما وجع الرجل؟ فقال الآخر: مطبوب، أي مسحور، فقال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فيم؟ قال في مشط و مشاطة» و في لفظ «و مشاقة» أي و هي المشاطة. و قيل هي مشاقة الكتان وجف بالجيم و الفاء، و قيل بالباء الموحدة طلعة ذكر: أي غشاء طلع الذكر الذي يقال له كوز الطلع، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي ذروان» على وزن مروان. و في لفظ «بئر ذي أروان» و في لفظ «بئر ذروان» و عليه اقتصر في الإمتاع «تحت صخرة في الماء قال: فما دواء ذلك؟ قال: تنزح البئر ثم تقلب الصخرة فتوجد الكدية فيها تمثال فيه إحدى عشرة عقدة فتحرق: فإنه يبرأ بإذن اللّه تعالى، ثم أحضر (صلى اللّه عليه و سلم) لبيدا فاعترف فعفا عنه لما اعتذر له بأن الحامل له على ذلك حب الدنانير. و قيل له: يا رسول اللّه لو قتلته، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): قد عافاني اللّه، ما وراءه من عذاب اللّه تعالى أشد».
و يحتاج إلى الجمع بين كون جبريل قال له سحرك إلى آخره، و كون جاءه رجلان قعد أحدهما عند رأسه و الآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر ما وجع الرجل إلى آخره قيل و هذا: أي عدم قتل الساحر ربما يعارض القول بأن الساحر يتحتم قتله. و فيه أنه عندنا لا يتحتم قتله، و لا يقتل إلا إذا قتل بسحره و اعترف بأن سحره يقتل غالبا.
و لبيد هذا قيل إنه أول من قال بنفي صفات الباري، و قال بها الجهم بن صفوان و أظهرها، فقيل لأتباعه في ذلك الجهمية.
«فعند ذلك بعث (صلى اللّه عليه و سلم) عليا و عمار بن ياسر إلى تلك البئر فاستخرجا ذلك».
و قيل الذي استخرج السحر بأمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قيس بن محصن.
و في الصحيح عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) توجه إلى البئر مع جماعة من أصحابه، فإذا ماؤها كأنه خضب بالحناء، فاستخرجا» أي النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و جماعته «منها ذلك».
و يحتاج إلى الجمع بين كون (صلى اللّه عليه و سلم) أرسل لاستخراج السحر عليا (كرم اللّه وجهه)، و كونه بعث لاستخراجه عليا و عمار بن ياسر، و كونه أمر قيس بن محصن باستخراجه، و كونه (صلى اللّه عليه و سلم) ذهب هو و جماعته لاستخراجه، فإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة: أي و إذا فيها إبر مغروزة، و نزلت المعوذتان، فجعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد، فذهب عنه (صلى اللّه عليه و سلم) ما كان يجد.
أي و لا ينافي ما تقدم أن القارئ لذلك جبريل عليه الصلاة و السلام، لجواز أن يكون كلاهما صار يقرأ الآية، أو أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صار يقرأ بعد قراء جبريل.