السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١١٨ - باب الهجرة إلى المدينة
و أجيب بأن الحمى انتقلت إليها مدة مقام اليهود بها ثم زالت بزوالهم من الحجاز أو قبله حين التوقيت بها، كذا قيل فليتأمل.
و عنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال «رأيت» أي في النوم «امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة».
و في الخصائص الصغرى للسيوطي: «و صرف الحمى عنها: يعني المدينة أول ما قدمها و نقلها إلى الجحفة، ثم لما أتاه جبريل بالحمى و الطاعون أمسك الحمى بالمدينة و أرسل الطاعون إلى الشام، و لما عادت الحمى إلى المدينة باختياره (صلى اللّه عليه و سلم) إياها لم تستطع أن تأتي أحدا من أهلها حتى جاءت و وقفت ببابه و استأذنته فيمن يبعثها إليه، فأرسلها إلى الأنصار».
فقد جاء «إن الحمى جاءت إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قالت: أنا أم ملدم» و في رواية «أنا الحمى، أبري اللحم، و أشرب الدم، قال: لا مرحبا بك و لا أهلا».
و فيه أنه تقدم «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) نهى عائشة عن سبها، فقالت له: أمضي إلى أحب قومك أو أحب أصحابك إليك، فقال: اذهبي للأنصار، فذهبت إليهم فصرعتهم فقالوا له: ادع لنا بالشفاء، فقال: إن شئتم دعوت اللّه عز و جل يكشفها عنكم، و إن شئتم تركتموها فأسقطت ذنوبكم» و في رواية «كانت لكم طهورا، فقالوا بلى دعها يا رسول اللّه» و لعله هذا كان لطائفة من الأنصار، فلا ينافي ما جاء «أن الأنصار لما شكوا له الحمى و قد مكثت عليهم ستة أيام بليالها دعا لهم بالشفاء، و صار (صلى اللّه عليه و سلم) يدخل دارا دارا و بيتا بيتا يدعو لهم بالعافية» و هذا الذي في الخصائص يدل على أن الحمى لما ذهبت إلى الجحفة لم يبق منها بقية بالمدينة، و أنها بعد ذلك عادت إلى المدينة باختيار منه (صلى اللّه عليه و سلم).
و الذي نقله هو عن الحافظ ابن حجر أن الحمى كانت تصيب من أقام بالمدينة من أهلها و غيرهم، فارتفعت بالدعاء عن أهلها إلا النادر و من لا يألف هواها.
و قد جاء «و إن حمى ليلة كفارة سنة، و من حم يوما كانت له براءة من النار، و خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
و الذي رواه الإمام أحمد و ابن حبان في صحيحه عن جابر «استأذنت الحمى على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: من هذه؟ قالت: أم ملدم، فأمر بها إلى أهل قباء فلقوا ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى، فشكوا إليه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: إن شئتم دعوت اللّه تعالى ليكشفها و إن شئتم تكون لكم طهورا، قالوا أو يفعل؟ قال نعم، قالوا فدعها» و اللّه أعلم.
ثم دعا (صلى اللّه عليه و سلم) بقوله «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة و في رواية «و اجعل مع البركة بركتين» و جاء «أنهم شكوا له (صلى اللّه عليه و سلم) سرعة فناء طعامهم، فقال