السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٥٩ - باب بدء الأذان و مشروعيته
أقدامهم ما شاء اللّه من غير علاج و لا كلفة.
قال: و يؤيد أن هذا مراد الحديث ما جاء «تبدل الأرض بيضاء مثل الخبزة يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغوا من الحساب» هذا كلامه، فليتأمل ما مع قبله من أن الأرض تبدل بأرض من فضة، و أن هذا يدل على أن تلك الأرض التي تكون خبزة تكون في موقف الحساب. و ما جاء عن عليّ رضي اللّه تعالى عنه يدل على أنها تكون بعد مجاوزتهم الصراط «و أول الناس إجازة فقراء المهاجرين، و تحفة أهل الجنة حين يدخلونها زيادة كبد النون» أي الحوت «و غذاؤهم ينحر لهم ثور الجنة التي يأكل من أطرافها، و شرابهم من عين تسمى سلسبيلا. و سألوه (صلى اللّه عليه و سلم) فقالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ فقال عليه الصلاة و السلام: تنام عيناه و لا ينام قلبه. و سألوه أي طعام حرم إسرائيل على نفسه قبل أن تنزل التوراة؟ قال: أنشدكم باللّه الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضا شديدا و طال سقمه، فنذر للّه لئن شفاه اللّه تعالى من سقمه ليحرمنّ أحب الشراب إليه و أحب الطعام إليه، فكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل، و أحب الشراب إليه ألبانها؟ قالوا: اللهم نعم» أي حرمهما ردعا لنفسه و منعا لها عن شهواتها. و قيل لأنه كان به عرق النسا و كان إذا طعم ذلك هاج به.
و ذكر أن سبب نزول قوله تعالى كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ [آل عمران: الآية ٩٣] قول اليهود له (صلى اللّه عليه و سلم) «كيف تقول إنك على ملة إبراهيم و أنت تأكل لحوم الإبل و تشرب ألبانها و كان ذلك محرما على نوح و إبراهيم حتى انتهى إلينا أي علمه في التوراة، فنحن أولى الناس بإبراهيم منك و من غيرك، فأنزل اللّه تعالى الآية تكذيبا لهم أي بأن هذا إنما حرمه يعقوب على نفسه، و من ثم جاء فيها فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: الآية ٩٣].
و كانت اليهود إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت و لم يؤاكلوها و لم يشاربوها أي و في كلام الواحدي قال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها و لم يشاربوها و لم يساكنوها في بيت كفعل المجوس هذا كلامه «فسئل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن ذلك» أي قال له بعض الأعراب «يا رسول اللّه البرد شديد و الثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، و إن استأثرنا بها هلك الحيض فأنزل اللّه تعالى وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً [البقرة: الآية ٢٢٢] الآية فقال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): اصنعوا كل شيء إلا النكاح» أي الوطء و ما في معناه، و هو مباشرة ما بين السرة و الركبة، أي فإن الآية لم تنص إلا على عدم قربانهن بالوطء في الحيض.
و من ثم جاء في رواية «إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، و لم يأمركم