السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٩٠ - غزوة ذي أمرّ
غزوة ذي أمرّ
بتشديد الراء: اسم ماء، أي و سماها الحاكم غزوة أنمار، و يقال إنها غزوة غطفان.
بلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن رجلا يقال له دعثور بضم الدال و إسكان العين المهملتين ثم مثلثة مضمومة ابن الحارث: أي الغطفاني من بني محارب جمع جمعا من ثعلبة و محارب بذي أمر: أي و هو موضع من ديار غطفان، أي و لعل به ذلك الماء المسمى بما ذكر كما تقدم، يريدون أن يصيبوا من أطراف المدينة، فخرج إليهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في أربعمائة و خمسين رجلا لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، و استخلف على المدينة عثمان بن عفان، و أصاب أصحابه رجلا منهم: أي يقال له جبار، و قيل حباب بكسر الحاء المهملة و بالباء الموحدة من بني ثعلبة، فأدخل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فأخبره من خبرهم، أي و قال له: لن يلاقوك و لو سمعوا بمسيرك إليهم هربوا في رءوس الجبال، و أنا سائر معك، فدعاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) للإسلام فأسلم و ضمه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى بلال، أي و أخذ به ذلك الرجل طريقا و هبط به عليهم، فسمعوا بمسير رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فهربوا في رءوس الجبال: أي فبلغوا ماء يقال له ذو أمر، فعسكر به (صلى اللّه عليه و سلم)، و أصابهم مطر أي كثير بلّ ثياب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ثياب أصحابه فنزع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثوبيه و نشرهما على شجرة ليجفا، و اضطجع أي بمرأى من المشركين و اشتغل المسلمون في شئونهم فبعث المشركون دعثورا الذي هو سيد القوم و أشجعهم المجمع لهم:
أي فقالوا له: قد انفرد محمد فعليك به أي و في لفظ أنه لما رآه قال: قتلني اللّه إن لم أقتل محمدا، فجاء دعثور و معه سيفه حتى قام على رأس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم قال: من يمنعك مني اليوم؟ و في رواية الآن، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اللّه، و دفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، أي بعد وقوعه على ظهره، فأخذ السيف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال له: من يمنعك مني؟ قال لا أحد، أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أن محمدا رسول اللّه. و في رواية و أنا أشهد أن لا إله إلا اللّه و أنك رسول اللّه، ثم أتى قومه أي بعد أن أعطاه (صلى اللّه عليه و سلم) سيفه فجعل يدعوهم إلى الإسلام، و أخبرهم أنه رأى رجلا طويلا دفع في صدره فوقع على ظهره، فقال: علمت أنه ملك فأسلمت، و نزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [المائدة: الآية ١١] الآية، ثم أقبل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة و لم يلق حربا، و كانت مدة غيبته إحدى عشرة ليلة.