السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٩١ - غزوة بني المصطلق
روى الدار قطني مسندا «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مر على جماعة فيهم عبد اللّه بن أبي، فسلم عليهم ثم ولى، فقال عبد اللّه: لقد عثا ابن أبي كبشة في هذه البلاد، فسمعها ابنه عبد اللّه، فاستأذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في أن يأتيه برأس أبيه، فقال لا و لكن بر أباك، و لما كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بقرب المدينة هاجت ريح شديدة تخوفوها كادت تدفن الراكب» أي خافوا أن تكون لأمر حدث بالمدينة على أهلهم، فإن مدة الموادعة التي كانت بينه (صلى اللّه عليه و سلم) و بين عيينة بن حصن كان ذلك حين انقضائها، فخافوا على المدينة منه «فقال (صلى اللّه عليه و سلم): ليس عليكم منه» يعني من عيينة بن حصن «بأس، ما بالمدينة من نقب» أي باب «إلا و ملك يحرسه، و ما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها، و لكن تعصف هذه الريح لموت عظيم من الكفار» و في رواية «لموت منافق» و في لفظ «مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة» فكان كما قال (صلى اللّه عليه و سلم) مات في ذلك اليوم زيد بن رفاعة بن التابوت و كان كهفا للمنافقين، كان من عظماء يهود بني قينقاع و كان ممن أسلم ظاهرا، و إلى ذلك أشار الإمام السبكي (رحمه اللّه تعالى) في تائيته بقوله:
و قد عصفت ريح فأخبرت أنها* * * لموتعظيم في اليهود بطيبة
قال: و في رواية أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أخبر بموته، فقد جاء أن عبادة بن الصامت قال لابن أبي: يا أبا حباب مات خليلك قال: أيّ خليل؟ قال: من موته فتح للإسلام و أهله، قال: من؟ قال: زيد بن رفاعة. قال: وا ويلاه من أخبرك يا أبا الوليد بموته؟
قال، قلت: رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أخبرنا أنه مات هذه الساعة، فحزن حزنا شديدا. انتهى و ذكر أهل المدينة أن هذه الريح وجدت بالمدينة، و أنه لما دفن عدوّ اللّه سكنت.
أقول لكن في كلام ابن الجوزي رفاعة بن زيد بن التابوت، و هو عمّ قتادة بن النعمان، قد ذكر عنه قتادة رضي اللّه تعالى عنه ما يدل على صحة إسلامه.
أي و قد يقال: جاز أن يكون أظهر ذلك لقتادة ليظن به ما ظنه من صحة إسلامه.
قال ابن الجوزي: و لهم رفاعة بن التابوت معدود في الصحابة ذكره في الإصابة. قال: جاء ذكره في حديث مرسل، كانوا في الجاهلية إذا أحرموا لم يأتوا بيتا من قبل بابه، و لكن من قبل ظهره، إلا الحمس فإنها كانت تأتي البيوت من أبوابها، فدخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حائطا ثم خرج من بابه، فأتبعه رجل يقال له رفاعة بن التابوت و لم يكن من الحمس. فقالوا: يا رسول اللّه نافق رفاعة فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):
ما حملك على ما صنعت و لم تكن من الحمس؟ قال: فإن ديننا واحد، فنزلت وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [البقرة: الآية ١٨٩] و سيأتي نحو هذه القصة لقطبة بن عامر و لعلها وقعت لهما.