السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٧٩ - باب الهجرة إلى المدينة
و لعل المراد إنكار صحة ذلك عنه (صلى اللّه عليه و سلم) فليتأمل.
و ذكر الأحجار في الخبر يؤيد ظاهره ما ذكره إمامنا في الأم أن سنة الجمع بين الحجر و الماء تتوقف على كون الاستنجاء بالحجر كافيا لو اقتصر عليه بقوله و الاستنجاء بالحجر كاف، و لو أتى به: أي بالاستنجاء الكافي رجل ثم غسل بالماء كان أحب إليّ، و إنما قلنا ظاهره لإمكان رجوع الضمير للاستنجاء لا بقيد كونه كافيا.
و الذي عليه متأخرو أصحابنا أن سنة الجمع يكتفي فيها بإزالة العين و لو بحجر واحد. و قد يقال هذا محبوب، و ما ذكره الإمام أحب.
و لا يخفى أن حديث الأنصار يقتضي اختصاص سن الجمع بين الحجر و الماء بالغائط، و به قال القفال في كتابه «محاسن الشريعة» و المفهوم من نص الأم أن مثل الغائط البول، ثم بعد إقامته (صلى اللّه عليه و سلم) المدة المذكورة بقباء ركب راحلته الجدعاء، و قيل القصواء، و قيل العضباء. أي قاصدا المدينة. و الجدعاء بالدال المهملة: المقطوعة الأنف أو مقطوعة الأذن كلها. و القصواء: المقطوع طرف أذنها. و العضباء: المشقوقة الأذن. قال بعضهم. و هذه ألقاب، و لم يكن بها: أي بتلك النوق شيء من ذلك، و سيأتي عن الأصل أن هذه ألقاب لناقة واحدة.
و لما ركب (صلى اللّه عليه و سلم) و خرج من قباء و سار سار الناس معه ما بين ماش و راكب أي و لا زال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شحا: أي حرصا على كرامة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و تعظيما له حتى دخل المدينة. قال: و صار الخدم و الصبيان يقولون: اللّه أكبر، جاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، جاء محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و لعبت الحبشة بحرابها فرحا برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و قد قالت بنو عمرو بن عوف له (صلى اللّه عليه و سلم): «يا رسول اللّه أخرجت ملالا لنا، أم تريد دارا خيرا من دارنا؟ قال إني أمرت بقرية تأكل القرى» أي تغلبها و تقهرها، و المراد أهلها: أي أن أهلها تفتح القرى فيأكلون أموال أهل تلك القرى، و يسبون ذراريهم فخلوا سبيلها، يعني ناقته (صلى اللّه عليه و سلم)، أي و من أسماء تلك القرية المدينة.
و روى الشيخان «أمرت بقرية تأكل القرى يثرب و هي المدينة» فالمدينة علم بالغلبة على تلك القرية كالنجم للثريا إذا أطلق فهي المرادة، و إن أريد غيرها قيد، و النسبة إليها مدني، و لغيرها من المدن مديني للفرق بينهما. و يثرب: اسم محل فيها سميت كلها به، و لعل ذلك المحل سمي بذلك لأنه نزل به يثرب من نسل نوح.
و في الحديث «المدينة تنفي الناس» أي شرارهم «كما ينفي الكبير خبث الحديد».
ففي بعض الروايات «لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها» قيل و كان ذلك في حياته (صلى اللّه عليه و سلم). و قيل يكون ذلك في زمن الدجال، فقد جاء أن الدجال يرجف بأهلها