السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٠٦ - غزوة أحد
و قد وقع الصديق رضي اللّه تعالى عنه أن العرب لما ارتدت بعد موته (صلى اللّه عليه و سلم) خرج مع الجيش شاهرا سيفه، فأخذ علي رضي اللّه تعالى عنه بزمام راحلته و قال له: إلى أين يا خليفة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ أقول لك كما قال لك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم أحد: شم سيفك، و لا تفجعنا بنفسك و ارجع إلى المدينة، فو اللّه لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا، فرجع و أمضى الجيش.
و في أوّل الأمر حملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات، كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مفلولة أي بالفاء متفرقة، و حمل المسلمون على المشركين فنهكوهم: أي أضعفوهم قتلا، فلما التقى الناس و حميت الحرب قامت هند في النسوة اللاتي معها و أخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال و يقلن:
ويها بني عبد الدار* * * ويها حماة الأدبار
صربا بكل بتار
و ويها: كلمة إغراء و تحريض، كما تقول: دونك يا فلان. و الأدبار: الأعقاب، أي الذين يحمون أعقاب الناس، و البتار: السيف القاطع، و يقلن:
نحن بنات طارق* * * نمشي على النمارق
مشى القطا النوازق* * * و المسك في المفارق
و الدر في المخانق* * * إن تقبلوا نعانق
و نفرش النمارق* * * أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق
و الطارق: النجم، قال تعالى وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ (١) وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) [الطارق: الآيات ١- ٣] قيل هو زحل: أي نحن بنات من بلغ العلو و ارتفاع القدر كالنجم. و اعترض بأنها لو أرادت النجم قالت: نحن بنات الطارق.
ثم رأيت أن هذا الرجز لهند بنت طارق، و حينئذ فليس المراد بطارق النجم، و إنما هو الرجل المعروف، كأنها قالت نحن بنات طارق المعروف بالعلو و الشرف.
و عن بعضهم قال: جلست بمكة وراء الضحاك، فسئل عن قول هند يوم أحد:
نحن بنات طارق، ما طارق؟ فقلت: هو النجم، فقال لي: كيف ذلك؟ فقلت له:
قال اللّه تعالى وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ (١) وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) [الطارق: الآيات ١- ٢] و النمارق: الوسائد الصغار.
و المراد نفرش ما تجعل عليه الوسائد مع جعلها عليه، و الوامق المحب، أي فراق غير محب، لأن غير المحب لا يرجع إذا غضب، بخلاف المحب. و من ثم