السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٦٠ - باب بدء الأذان و مشروعيته
باخراجهن من البيوت، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير و عباد بن بشر إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و قالا إن اليهود قالت كذا فهلا نجامعهن؟ أي نوافقهن، فتغير وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» أي و عند ذلك قال بعض الصحابة «فظننا أنه قد وجد أي غضب عليهما فلما خرجا استقبلتهما هدية من لبن إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فأرسل في أثرهما فسقاهما، فعرفنا أنه لم يجد عليهما».
و ذكر المفسرون أن في منع الوطء للحائض اقتصادا من إفراط اليهود و تفريط النصارى، فإنهم لا يمتنعون من وطء الحيض، أي و ذكر أن ابن سلام و غيره ممن أسلم من يهود استمروا على تعظيم السبت و كراهة أكل لحم الإبل و شرب ألبانها، فأنكر ذلك عليهم المسلمون فقالوا: إن التوراة كتاب اللّه فنعمل به أيضا، فأنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: الآية ٢٠٨]: أي و في رواية «قالوا له ما هذا السواد الذي في القمر؟ فأجابهم (صلى اللّه عليه و سلم) عن ذلك بأنهما كانا شمسين أي شمس في الليل و شمس في النهار، قال اللّه تعالى فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [الإسراء: الآية ١٢] فالسواد الذي يرى هو المحو» أي أثره. قال بعضهم في قوله تعالى وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [يس: الآية ٣٧] أن الليل ذكر و النهار أنثى، فالليل كآدم و النهار كحواء.
و قد ذكر أن الليل من الجنة و النهار من النار، و من ثم كان الأنس بالليل أكثر و جاء «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لرجل من علماء اليهود: أتشهد أني رسول اللّه؟ قال لا، قال أ تقرأ التوراة؟ قال نعم، قال: و الإنجيل؟ قال نعم، فناشده هل تجدني في التوراة و الإنجيل؟ قال: نجد مثلك و مثل مخرجك و مثل هيئتك، فلما خرجت خفنا أن تكون أنت، فنظرنا فإذا أنت لست هو، قال: و لم ذاك؟ قال: معه من أمته سبعون ألفا ليس عليهم حساب و لا عذاب، و إنما معك نفر يسير، قال: و الذي نفسي بيده لأنا هو و إنهم لأكثر من سبعين ألفا و سبعين ألفا» و قد سأله (صلى اللّه عليه و سلم) اليهود عن الرعد أي و البرق فقال «صوت ملك موكل بالسحاب يسوقه أي بمخراق من نار في يده يزجر به السحاب إلى حيث أمره اللّه تعالى».
و عن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه قال «البرق مخاريق من نار بأيدي ملائكة يزجرون به السحاب» و المخراق المنديل يلف ليضرب به، أي و حينئذ فالمراد بالملك الجنس. و في رواية «إن اللّه ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق و يضحك أحسن الضحك، و منطقها الرعد، و ضحكها البرق».
و في بعض الآثار «للّه ملائكة يقال لهم الحيات، فإذا حركوا أجنحتهم فهو البرق» أي و تحريكهم لأجنحتهم يكون غالبا عند الرعد، لأن الغالب وجود البرق عند الرعد.