السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٨٨ - باب الهجرة إلى المدينة
ابن أبيّ: لقد عثا ابن أبي كبشة في هذه البلاد، فسمعها ابنه عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه، فاستأذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يأتيه برأسه، فقال له (صلى اللّه عليه و سلم) لا، و لكن برّ أباك» و كان ابن أبيّ جميل الصورة ممتلئ الجسم، فصيح اللسان، و هو المعنيّ بقوله تعالى وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ [المنافقون: الآية ٤] الآية، و لكونه متبوعا جيء فيه بصيغة الجمع.
و عن الزهري «أخبرني عروة بن أسامة بن زيد أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ركب حمارا على إكاف و أردف أسامة وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر حتى مرّ بمجلس فيه عبد اللّه بن أبي ابن سلول و ذلك قبل أن يسلم عبد اللّه بن أبي ابن سلول، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين و المشركين عبدة الأوثان و اليهود، و في المسلمين عبد اللّه بن رواحة فثار غبار من مشي الحمار، فخمر ابن أبيّ أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا؛ فسلم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عليهم ثم نزل و دعاهم إلى اللّه و قرأ عليهم القرآن. فقال ابن أبيّ: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذينا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد اللّه بن رواحة: بل يا رسول اللّه فاغشنا فإنا نحب ذلك، و استبّ المسلمون و المشركون و اليهود حتى كادوا يتبادرون، فلم يزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) دابته حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يا سعد أ لم تسمع ما قال أبو حباب يعني ابن أبيّ، قال كذا و كذا، فقال سعد بن عبادة: يا رسول اللّه اعف عنه و اصفح، فو اللّه الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء اللّه بالحق الذي أنزل عليك و قد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما ردّ بالحق الذي أعطاك اللّه شرق، فذلك الذي فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» و اللّه أعلم.
و مكث (صلى اللّه عليه و سلم) ببيت أبي أيوب إلى أن بني المسجد و بعض مساكنه، و قد مكث في بناء ذلك من شهر ربيع الأول إلى شهر صفر من السنة القابلة، أي و ذلك اثنا عشر شهرا: و قيل مكث ببيت أبي أيوب سبعة أشهر.
«قال و لما تحول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من بين عمرو بن عوف إلى المدينة تحول المهاجرون» أي غالبهم أخذا مما يأتي «فتنافس فيهم الأنصار أن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسهمان، فما نزل أحد من المهاجرين على أحد من الأنصار إلا بقرعة بينهم. فكان المهاجرون في دور الأنصار و أموالهم» ا ه.
و كان من جملة محل مسجده (صلى اللّه عليه و سلم) مسجد لأبي أمامة أسعد بن زرارة رضي اللّه تعالى عنه، و كان أبو أمامة يجمع فيه بمن يليه، بناه في بعض مربد للتمر لسهل و سهيل: أي يجفف فيه التمر، و يرادف المربد الجرين و المسطح و البيدر: و هو ما