السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٧١ - باب ذكر مغازيه
بنفسه قتالا شديدا، و كذلك أبو بكر رضي اللّه عنه و كانا في العريش يجاهدان بالدعاء، فقاتلا بأبدانهما جمعا بين المقامين و أيضا سيأتي في خيبر ما قد يدل على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قاتل بنفسه.
لأنا نقول: سيأتي ما في ذلك مما يدل على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يباشر القتال إلا في أحد كما سيأتي، و لم تقاتل معه الملائكة إلا في بدر و إلا في حنين. قيل و أحد، و سيأتي ما في ذلك، و لم يرم (صلى اللّه عليه و سلم) بالحصباء في وجوه العدوّ في شيء من الغزوات إلا في هذه الثلاثة على خلاف في الثالثة، أي و لم يجرح أي لم يصبه جراحة في غزوة من الغزوات إلا في أحد، و لم ينصب المنجنيق في غزوة من الغزوات إلا في غزوة الطائف، و فيه أنه نصبه على بعض حصون خيبر، و سيأتي الجمع بينهما، و لم يتحصن بالخندق في غزوة إلا في غزوة الأحزاب.
ثم لا يخفى أن الآية المذكورة: أي التي هي أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) [الحجّ: الآية ٣٩] قال بعضهم: هي أول آية نزلت في شأن القتال، و لما نزلت أخبر (صلى اللّه عليه و سلم) بقوله «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه» أي و في لفظ «حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه و أني محمد رسول اللّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها و حسابهم على اللّه تعالى، قيل: و ما حقها؟ قال زنا بعد إحصان و كفر بعد إسلام، أو قتل نفس».
أقول: و ظاهر هذا السياق يقتضي أن الآية فيها الأمر له (صلى اللّه عليه و سلم) بالقتال المذكور.
و قد يتوقف في ذلك، و لعله أمر بذلك بغير الآية المذكورة، لأن الآية إنما هي ظاهرة في الإباحة و المباح ليس مأمورا به، و حينئذ يكون قوله في الآية الأخرى و هي فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: الآية ١٩١] للإباحة، لأن صيغة أفعل تأتي لها و إن كان الأصل فيها الوجوب.
و على أن قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «أمرت» و أن أمره كان بغير هذه الآية يحمل على أن المراد الندب، لأن الأمر مشترك بين الوجوب و الندب، فلا ينافي ما تقدم من أنه لم يكن وجب عليه القتال حينئذ و اللّه أعلم.
ثم لما رمتهم العرب قاطبة عن قوس، و تعرضوا لقتالهم من كل جانب كانوا لا يبيتون إلا في السلاح، و لا يصبحون إلا فيه و يقولون ترى نعيش حتى نبيت مطمئنين لا نخاف إلا اللّه عز و جل؛ أنزل اللّه عز و جل وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [النّور: الآية ٥٥] ثم أذن في القتال، أي أبيح الابتداء به حتى لمن لم يقاتل أي لكن في غير الأشهر الحرم أي التي هي رجب و ذو القعدة و ذو الحجة و محرم، أي بقوله فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التّوبة: الآية