السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٣٦ - غزوة أحد
قال (صلى اللّه عليه و سلم): هو في الناس. قالت: لا أرجع حتى أنظر إليه، فجعل الزبير رضي اللّه عنه يحبسها، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): دعها فلما رأته بكت و صارت كلما بكت بكى (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم أمر به فسجي ببرده» و في رواية «قال أ لا كفن؟ فقام رجل من الأنصار فرمى بثوبه عليه، ثم قام آخر فرمى بثوبه عليه. فقال (صلى اللّه عليه و سلم): يا جابر هذا الثوب لأبيك و هذا لعمي» و هذا يدل على أن والد جابر رضي اللّه عنهما استمر لم يقبر إلى ذلك الوقت، و هو خلاف ظاهر سياق ما تقدم.
و في رواية «و جاءت صفية معها بثوبين لحمزة، فكان أحدهما لحمزة، و الآخر لرجل من الأنصار» و لعله والد جابر رضي اللّه عنهما، و لعله لما جاءت صفية بالثوبين جعل (صلى اللّه عليه و سلم) أحدهما لحمزة، و الآخر لوالد جابر، و ترك ثوبي الرجلين.
و في رواية «كفن حمزة رضي اللّه عنه بنمرة، كانوا إذا مدوها على رأسه انكشفت رجلاه، و إن مدوها على رجليه انكشفت رأسه، فمدوها على رأسه، و جعلوا على رجليه الإذخر» و في لفظ «الحرمل» أي و يحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما و المشهور حديث النمرة.
و قد يقال: إنما اختار (صلى اللّه عليه و سلم) النمرة على الثوب، لأنه كان بها دم الشهادة أو أراد (صلى اللّه عليه و سلم) أن لا يكون لأحد على حمزة رضي اللّه عنه منة. و يؤيد الأول ما يأتي «و لم يكفنوا إلا في ثيابهم التي قتلوا فيها» فليتأمل، فإن السياق يقتضي أن ذلك إنما هو عن احتياج، و سيأتي ما يصرح به و سيأتي ما يعارضه فليتأمل.
و عن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه قال: قتل مصعب بن عمير رضي اللّه عنه يوم أحد، و كفن في وبرة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه، و إن غطي بها رجلاه بدا رأسه.
و في رواية «قتل مصعب بن عمير، فلم يترك إلا نمرة إذا غطينا بها رجليه خرج رأسه فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): غطوا بها رأسه، و اجعلوا على رجليه الإذخر».
و كان مصعب بن عمير هذا قبل الإسلام فتى مكة شبابا و جمالا و لباسا و عطرا و لما أسلم رضي اللّه عنه تشعث.
و عن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه أنه كان صائما و قد جيء له بطعامه، فقال: قتل مصعب بن عمير رضي اللّه عنه و هو خير مني، فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، و إن غطيت رجلاه بدا رأسه، و قد بسط لنا من الدنيا ما بسط، و أعطينا من الدنيا ما أعطينا، و خشيت أن أكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.
و عن أنس رضي اللّه عنه قال: قلت الثياب، و كثرت القتلى، فكان الرجل