السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٤٥ - باب بدء الأذان و مشروعيته
و اللّه، قال: أتعرفه و تثبته؟ قال نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عدواته و اللّه ما بقيت؛ قال: و في رواية أنها قالت: إن عمي أبا ياسر حين قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة ذهب إليه و سمع منه (صلى اللّه عليه و سلم) و حادثه، ثم رجع إلى قومه فقال: يا قوم أطيعوني، فإن اللّه قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرونه فاتبعوه و لا تخالفوه، ثم انطلق أبي إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم رجع إلى قومه فقال لهم: أتيت من عند رجل و اللّه لا أزال له عدوا. فقال له أخوه أبو ياسر: يا ابن أم أطعني في هذا الأمر و اعصني فيما شئت بعد لا تهلك، فقال: و اللّه لا نطيعك ا ه، أي ثم وافق أخاه حييا فكانا أشد اليهود عداوة لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جاهدين في رد الناس من الإسلام بما استطاعا، فأنزل اللّه تعالى فيهما و فيمن كان موافقا لهما في ذلك وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُ [البقرة: الآية ١٠٩].
و حيي بن أخطب هذا، قيل هو الذي قال لما نزل قوله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [البقرة: الآية ٢٤٥]: يستقرضنا ربنا؛ و إنما يستقرض الفقير الغني، فأنزل اللّه تعالى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ [آل عمران: الآية ١٨١].
أي و قيل في سبب نزولها إن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه دخل بيت المدارس، فقال لفنحاص: اتق اللّه و أسلم، فو اللّه إنك لتعلم أن محمدا رسول اللّه، فقال: و اللّه يا أبا بكر ما بنا إلى اللّه من فقر و إنه إلينا لفقير، فغضب أبو بكر و ضرب وجه فنحاص ضربا شديدا و قال: و اللّه لو لا العهد الذي بيننا و بينك لضربت عنقك، فشكاه فنحاص إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فذكر له أبو بكر ما كان منه، فأنكر قوله ذلك؛ فنزلت الآية.
و قيل في سبب نزولها أيضا «إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أرسل أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه إلى فنحاص بن عازوراء بكتاب، و كان انفرد بالعلم و السيادة على يهود بني قينقاع بعد إسلام عبد اللّه بن سلام، يأمرهم في ذلك الكتاب بالإسلام و إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة، و أن يقرضوا اللّه قرضا حسنا، فلما قرأ فنحاص الكتاب قال: أ قد احتاج ربكم؟ سنمده». و في رواية «قال: يا أبا بكر تزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا و ما يستقرض إلا الفقير من الغني، فإن كان حقا ما تقول، فإن اللّه جل و علا إذا لفقير و نحن أغنياء، فضرب أبو بكر وجه فنحاص ضربا شديدا و قال: لقد هممت أن أضربه بالسيف و ما منعني أن أضربه بالسيف إلا أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لما دفع إليّ الكتاب قال لي: لا تفتت عليّ بشيء حتى ترجع إليّ، فجاء فنحاص إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و شكا أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت؟
قال: يا رسول اللّه إنه قال قولا عظيما، زعم أن اللّه عز و جل فقير و أنهم أغنياء،