السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٧ - باب عرض رسول اللّه
و هو بمكة، و تركها لعدم التمكن من فعلها، و تقدم عن الحافظ ابن حجر أنه غريب، و يؤيده أنه لو كان أمر بها (صلى اللّه عليه و سلم) و هو بمكة و تركها لعدم التمكن من فعلها لأمر بها مصعب بن عمير عند إرساله للمدينة و لم يأمره بها إلا بعد ذلك. إلا أن يقال: إنما لم يأمره بها حينئذ، لأنه يجوز أن يكون إنما أمر بها بعد ذهاب مصعب إلى المدينة، أو أنه إنما لم يأمره بذلك لأن لإقامتها شروطا منها العدد و هو عند إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه أربعون بشروط و لم يكن ذلك موجودا عند إرساله (صلى اللّه عليه و سلم)، و من ثم لما علم (صلى اللّه عليه و سلم) وجود العدد المذكور أرسل له يأمره بذلك في قوله: أما بعد فانظر اليوم الخ.
ثم لا يخفى أن ظاهر سياق الروايات يدل على أن الذي هداهم اللّه إليه إنما هو إيقاع العبادة في هذا اليوم لا تسميته بيوم الجمعة كما تقدم عن السهيلي، على أن تسميتهم له بذلك لم أقف عليها في رواية.
على أن السهيلي ذكر عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) سماها يوم الجمعة لما أرسل لمصعب بن عمير أن يفعلها كما تقدم في الإسراء، و ذكر أيضا أن كعب بن لؤيّ أول من سمى يوم العروبة الجمعة.
و قد يقال: لا مخالفة، لأنه يجوز أن تكون الأنصار و من معهم من المهاجرين لم يبلغهم ما ذكر عن كعب بن لؤيّ إن ثبت أنهم سموها بهذا الاسم اجتهادا منهم.
و عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه «أنه سأل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن سبب تسمية هذا اليوم بيوم الجمعة، فقال: لأن فيها جمعت طينة أبيك آدم» و قدمنا أنه لا مخالفة بين ما هنا و ما تقدم في الإسراء و اللّه أعلم.
و أسلم سعد بن معاذ و ابن عمه أسيد بن حضير رضي اللّه تعالى عنهما على يد مصعب بن عمير، و كان إسلام أسيد قبل سعد في يومه.
فعن ابن إسحاق أن أسعد بن زرارة رضي اللّه تعالى عنه خرج بمصعب بن عمير إلى حائط: أي بستان من حوائط بني ظفر، فجلسا فيه و اجتمع إليهما رجال ممن أسلم، و سعد بن معاذ و أسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما: أي بني عبد الأشهل، و كلاهما مشرك على دين قومه، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك، انطلق بنا إلى هذين الرجلين؛ يعني أسعد بن زرارة و مصعب بن عمير اللذين أتيا دارينا تثنية دار، و هي المحلة، و المراد قبيلتنا و عشيرتنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما و انههما: أي و في لفظ قال له: ائت أسعد بن زرارة فازجره عنا فليكف عنا ما نكره، فإنه بلغني أنه قد جاء بهذا الرجل الغريب يسفه سفهاءنا و ضعفاءنا، فإنه لو لا أسعد بن زرارة مني حيث علمت لكفيتك ذلك، هو ابن خالتي و لا أجد عليه مقدما، فأخذ