السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٧٠ - باب الهجرة إلى المدينة
القابلة سمعوا ذلك الهاتف يقول:
فيا سعد سعد الأوس كن أنت مانعا* * * و يا سعد سعد الخزرجين الغطارف
فقالوا: سعد الأوس سعد بن معاذ، و سعد الخزرجين سعد بن عبادة، ففيه نظر، لأن السعدين المذكورين كانا أسلما قبل ذلك؟ فلا يحسن قوله إن يسلم السعدان.
أقول: يجوز أن تكون أن هنا بمعنى إذ: أي صيرورته (صلى اللّه عليه و سلم) آمنا لا يخشى خلاف المخالف لأجل إسلام السعدين، أو المراد دوامهما على الإسلام، على أنه ذكر في الأصل إن إنشاد هذين البيتين و سماع أهل مكة له كان قبل إسلام سعد بن معاذ.
و ذكر بعضهم أن السعود من الأنصار سبعة: أربعة من الأوس: سعد بن معاذ، و سعد بن خيثمة، و سعد بن عبيد، و سعد بن زيد، و ثلاثة من الخزرج: سعد بن عبادة، و سعد بن الربيع و سعد بن عثمان أبو عبيدة، و اللّه أعلم.
قال: و تقديم قصة سراقة على قصة أم معبد هو ما في الأصل، و قد التزم فيه ترتيب الوقائع و قضية الترتيب ذكر قصة أم معبد قبل قصة سراقة لأنه الصحيح الذي صرح به جماعة ا ه.
أقول: و مما يدل لذلك ما تقدم من أن كفار قريش لم يعلموا أين توجه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى سمعوا الهاتف يذكر أم معبد.
و عن أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنهما قالت: لما خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل وقفوا على الباب فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك؟ قلت: و اللّه لا أدري، فرفع أبو جهل يده فلطم خدي لطمة خرم منها قرطي، أي و في لفظ: طرح منها قرطي. و القرط: ما يعلق في شحمة الأذن، قالت. ثم انصرفوا فمضى ثلاث ليال و لم ندر أي توجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، يغني بأبيات و إن الناس ليتبعونه يسمعون صوته حتى خرج بأعلى مكة يقول:
جزى اللّه رب الناس
الأبيات كذا في الأصل.
و فيه أن قولها لما خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ظاهر في خروجه للغار، و قولها فمضى ثلاث لا ندري أين توجه يقتضي أن المراد خروجه من الغار، و تقدم أنهم علموا بخروجه إلى المدينة في اليوم الثاني من خروجه من الغار، و تقدم أنهم لم يعلموا بذلك إلا من الهاتف فليتأمل.