السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٧٩ - باب غزوة بدر الكبرى
فقال: ليس في الحق. و في لفظ: أما و اللّه ما ذلك بالحق أن يشرب ابن عمك و تسوءني، فأرسل عمر رضي اللّه عنه إلى زوجته قدامة أي بعد أن قال له أبو هريرة رضي اللّه عنه: إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد يعني زوجته، فجاءت فشهدت على زوجها بأنه سكر، فقال عمر لقدامة: أريد أن أحدك، فقال:
ليس لك ذلك، لقول اللّه عز و جل لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا [المائدة: الآية ٩٣]، فقال له عمر: أخطأت التأويل، فإن بقية الآية إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ [المائدة: الآية ٩٣] فإنك إن اتقيت اجتنبت ما حرم اللّه تعالى عليك، ثم أمر به فحد، فغاضبه قدامة ثم حجا جميعا، ففي قوم استيقظ عمر رضي اللّه تعالى عنه من نومه فزعا، فقال: عجلوا بقدامة، أتاني آت، فقال: صالح قدامة فإنه أخوك، فاصطلحا.
أي و قد احتج بهذه الآية أيضا جمع من الصحابة شربوا الخمر، و هم أبو جندل، و ضرار بن الخطاب، و أبو الأزور، فأراد أبو عبيدة رضي اللّه عنه و هو وال بالشام أن يحدهم، فقال أبو جندل لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ [المائدة: الآية ٩٣] فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك، و قال: خصمني أبو جندل بهذه الآية. فكتب عمر لأبي عبيدة: إن الذي زين لأبي جندل الخطيئة زين له الخصومة فاحددهم، فلما أراد أبو عبيدة أن يحدهم، قال أبو الأزور لأبي عبيدة: دعنا نلقى العدوّ غدا، فإن قتلنا فذاك، و إن رجعنا إليكم فحدونا، فلقوا العدوّ فاستشهد أبو الأزور و حدّ الآخران.
و في حواشي البخاري للحافظ الدمياطي «أن نعيمان كان ممن شهد بدرا و سائر المشاهد و أتى في شربه الخمر إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فحده أربعا أو خمسا أي من المرات، فقال رجل من القوم اللهم العنه، ما أكثر ما يشرب و أكثر ما يحد! فقال عليه الصلاة و السلام: لا تلعنه فإنه يحب اللّه و رسوله» و لعل هذا التعليل لا ينظر لمفهومه.
و عند الإمام أحمد (رحمه اللّه) عن حفصة رضي اللّه تعالى عنها، قالت: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول «إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء اللّه تعالى أحد شهد بدرا و الحديبية» و لعل الواو بمعنى أو. و يدل لذلك ما في بعض الروايات عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، قال «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة».
و لا ينافي ما في مسلم و الترمذي عن جابر «أن عبد الحاطب جاء إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يشكو حاطبا إليه، فقال: يا رسول اللّه ليدخلن حاطب النار، فقال:
كذبت، لا يدخلها فإنه شهد بدرا و الحديبية» لأنه يجوز أن يكون ذلك لكونه: أي