السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٩٨ - غزوة بني المصطلق
النساء ليلا، أي لقضاء حاجة الإنسان، و ذلك قبل أن تتخذ الكنف» أي فإن أزواج النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كنّ يخرجن بالليل إذا تبرزن نحو المنصع: و هو محل متسع. قالت: فلما فرغنا من شأننا و أقبلت عثرت أم مسطح في مرطها» أي إزارها «فقالت: تعس مسطح» بفتح العين و كسرها: هلك مسطح تعني ولدها، و مسطح في الأصل عمود الخيمة: قلت لها: بئس ما قلت، أ تسبين رجلا شهد بدرا؟ قالت: يا هنتاه» بفتح الهاء الأولى و سكون النون و ضم الهاء الثانية: أي يا هذه «أو لم تسمعي ما قال؟
قلت: و ما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك: فازددت مرضا على مرضي» أي عاودني المرض و ازددت عليه» أي و في لفظ «فخرّت مغشيا عليها».
و في رواية «خرجت لبعض حاجتي و معي أم مسطح قد حملت السطل و فيه ماء فعثرت و وقع السطل منها، فقالت: تعس مسطح، فقلت: أي أم تسبين ابنك، فسكتت ثم عثرت الثانية، فقالت: تعس مسطح، فقلت: أي أم تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة، فقالت: تعس مسطح فنهرتها، فقالت: و اللّه ما أسبه إلا فيك، فقلت:
في أي شأني؟ فبقرت» أي كشفت لي الحديث، فقلت: و قد كان هذا؟ قالت: نعم، فأخذتني حمى نافضة و رجعت إلى بيتي، فلما رجعت إلى بيتي مكثت تلك الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع و لا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، و دخل عليّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال بعد أن سلم: كيف تيكم؟ فقلت: أ تأذن لي أن آتي بيت أبويّ؟
و أنا أريد أن أ تثبت الخبر من قبلهما، أي لأن أمها فارقتها لما نقهت من المرض، و ذهبت إلى بيتها، فلا ينافي ما سبق من قولها: و عندي أمي تمرّضني «قالت: فأذن لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فجئت أبويّ، أي و أرسل معي الغلام، فدخلت الدار فوجدت أم رومان في السفل و أبا بكر فوق يقرأ، فقالت أمي: ما جاء بك؟ فأخبرتها» فذهابها إلى أبويها كما علمت كان بعد أن صحت من المرض و بعد إخبار أم مسطح لها بالقصة.
و الذي في السيرة الهشامية يفيد أنه كان قبل ذلك، و هو أنها رضي اللّه عنها قالت: «كان (صلى اللّه عليه و سلم) كلما يدخل يقول: «كيف تيكم» لا يزيد على ذلك حتى وجدته في نفسي، فقلت: يا رسول اللّه حين رأيت ما رأيت من جفائه: لو أذنت لي؟ قال: لا عليك، قالت: فانتقلت إلى أمي تمرضني و لا علم لي بشيء مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع و عشرين ليلة، و كنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم» أي بيوت الأخلية «نعافها و نكرهها، إنما كنا نذهب في فسح المدينة، فخرجت ليلة و معي أم مسطح بنت خالة أبي بكر، إذ عثرت في مرطها، فقالت: تعس مسطح، قلت: بئس لعمر اللّه ما قلت لرجل من المهاجرين و قد شهد بدرا، قالت: أو ما بلغك الخبر يا ابنة أبي بكر؟ قلت: و ما الخبر؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك. قلت: أو قد كان هذا، قالت: نعم، و اللّه لقد كان، فو اللّه