السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥١ - باب عرض رسول اللّه
النبي (صلى اللّه عليه و سلم) ما قال، فعرف أن اللّه عز و جل قد درأ عنه أي دفع عنه».
و في رواية «فلما انتهوا إلى فم الغار، قال قائل منهم: ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف: و ما أربكم» أي حاجتكم إلى الغار «إنّ عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد (صلى اللّه عليه و سلم)» أي و لو دخل الغار لا نفتح ذلك العنكبوت و تكسر البيض. و هذا يدل على أن البيض لم يكن فرخ: أي و يحتمل أن بعض البيض فرخ و بعضه لم يفرخ «ثم جاء قبالة فم الغار فبال، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه إنه يرانا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يا أبا بكر لو كان يرانا ما فعل هذا» و في بعض الروايات «لو رآنا ما تكشف عن فرجه» أي ما استقبلنا بفرجه و بوله، و قال أبو جهل: أما و اللّه إني لأحسبه قريبا يرانا، و لكن بعض سحره قد أخذ على أبصارنا، فانصرفوا.
و ذكر ابن كثير أن بعض أهل السير ذكر أن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه لما قال للنبي (صلى اللّه عليه و سلم): لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، قال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): لو جاءونا من هاهنا لذهبنا من هاهنا، فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر، و إذا البحر قد اتصل به و سفينة مشدودة إلى جانبه. قال ابن كثير: و هذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة، و لكن لم يرد ذلك بإسناد قوي و لا ضعيف، و لسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا «و نهى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يومئذ عن قتل العنكبوت، و قال: إنها جند من جند اللّه» انتهى.
و عن أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه أنه قال «لا أزال أحب العنكبوت منذ رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أحبها، و يقول: جزى اللّه العنكبوت عنا خيرا، فإنها نسجت عليّ و عليك يا أبا بكر» إلا أن البيوت تطهر من نسجها، أي ينبغي ذلك لما تقدم أن وجود نسجها في البيوت يورث الفقر.
و في الجامع الصغير «جزى اللّه العنكبوت عنا خيرا، فإنها نسجت على الغار».
أقول: فيه أن في الحديث «العنكبوت شيطان فاقتلوه» و في لفظ «العنكبوت شيطان مسخه اللّه فاقتلوه» فإن صح و ثبت تأخره فهو ناسخ له، و إن كان متقدما على ما هنا و صح ما هنا فهو منسوخ به و اللّه أعلم، «و بارك (صلى اللّه عليه و سلم) على الحمامتين، و فرض جزاء الحمام و انحدرتا في الحرم فأفرختا كل شيء في الحرم من الحمام» أي و لأجل ذلك ذهب الغزالي من أئمتنا إلى صحة الوقف على حمام مكة دون غيره من الطيور و هو الراجح.
و نظر في الإمتاع في كون حمام الحرم من نسل ذلك الزوج، فإنه روي في قصة نوح عليه الصلاة و السلام «أنه بعث الحمامة من السفينة لتأتيه بخبر الأرض فوقعت بوادي الحرم فإذا الماء قد نضب من موضع الكعبة، و كانت طينتها حمراء