السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢٩ - باب غزوة بدر الكبرى
فعن جابر رضي اللّه تعالى عنه قال: «قال رجل للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) يوم أحد: أ رأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنة، قال: فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قتل» أخرجه البخاري و مسلم و النسائي، و سيأتي ما في ذلك.
و قال عوف بن الحارث ابن عفراء «يا رسول اللّه ما يضحك الرب من عبده» أي ما يرضيه غاية الرضا «قال: غمسه يده في العدو حاسرا» أي لا درع له و لا مغفر «فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل رضي اللّه تعالى عنه» فالضحك في حق اللّه كناية عن غاية رضاه.
و قد جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال في طلحة بن الغمر «اللهم الق طلحة يضحك إليك و تضحك إليه» أي ألقه لقاء كلقاء المتحابين المظهرين لما في أنفسهما من غاية الرضا و المحبة فهي كلمة وجيزة تتضمن الرضا مع المحبة و إظهار البشر، فهي من جوامع كلمه التي أوتيها (صلى اللّه عليه و سلم).
و قاتل في ذلك اليوم معبد بن وهب زوج هريرة بنت زمعة أخت سودة بنت زمعة أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها بسيفين «ثم أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حفنة من الحصباء» بالمد «أمره بذلك جبريل عليه الصلاة و السلام» كما جاء في بعض الروايات: أي قال خذ قبضة من تراب و ارمهم بها «فتناولها (صلى اللّه عليه و سلم)».
و في رواية «أنه قال لعلي (كرم اللّه وجهه) ناولني فاستقبل بها قريشا، ثم قال:
شاهت الوجوه» أي قبحت الوجوه أي و زاد بعضهم «اللهم أرعب قلوبهم، و زلزل أقدامهم، ثم نفخهم» أي ضربهم بها «فلم يبق من المشركين رجل إلا ملأت عينه» و في رواية «و أنفه و فمه لا يدري أين يتوجه يعالج التراب لينزعه من عينيه» أي فانهزموا و ردفهم المسلمون يقتلون و يأسرون.
هذا، و المحفوظ المشهور أن ذلك إنما كان في حنين، لكن يوافق الأول ما نقله بعضهم أن قوله تعالى وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: الآية ١٧] نزل يوم بدر، هكذا قال عروة و عكرمة و مجاهد و قتادة، قال هذا البعض، و قد فعل عليه الصلاة و السلام مثل ذلك في غزوة أحد هذا كلامه.
و في رواية «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أخذ ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم و حصاة في ميسرة القوم؛ و حصاة بين أيديهم، فقال: شاهت الوجوه؛ فانهزم القوم» و هذه الحصيات الثلاث قال جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست، فأخذهن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فرمى بهن في وجوه المشركين، أي يمنة و يسرة و بين أيديهم و حين رمى (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك قال لأصحابه: شدوا فكانت الهزيمة، و أنزل اللّه تعالى وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: الآية ١٧].