السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤٨ - غزوة أحد
و في أسد الغابة أن أويسا أدرك النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يره، و سكن الكوفة و هو من كبار تابعي الكوفة، و كان يسخر به.
و وفد رجل ممن كان يسخر به مع جماعة من أهل الكوفة على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فقال عمر: هل هاهنا أحد من القرنيين، فجاء ذلك الرجل، فقال له عمر: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد قال «إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس القرني و قد كان به بياض، فدعا اللّه تعالى فأذهب عنه إلا قدر الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فمروه أن يستغفر لكم» فأقبل ذلك الرجل لما قدم الكوفة إلى أويس قبل أن يأتي أهله، فقال له أويس: ما هذا بعادتك؟ قال: سمعت عمر رضي اللّه عنه يقول: كذا و كذا فاستغفر لي، قال: لا أفعل حتى تجعل لي عليك أن لا تسخر بي و لا تذكر قول عمر لأحد فالتزم له ذلك فاستغفر له، و قتل أويس يوم صفين مع عليّ (كرم اللّه وجهه).
و لما وصل (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة أظهر المنافقون و اليهود الشماتة و السرور، و صاروا يظهرون أقبح القول، أي و منه: ما محمد إلا طالب ملك، ما أصيب بمثل هذا نبيّ قط؛ أصيب في بدنه، و أصيب في أصحابه، و يقولون: لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل.
و استأذنه (صلى اللّه عليه و سلم) عمر في قتل هؤلاء المنافقين، فقال: أ ليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا اللّه و أني رسول اللّه؟ قال: بلى، و لكن تعوذا من السيف، فقد بان أمرهم و أبدى اللّه تعالى أضغانهم، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): نهيت عن قتل من أظهر ذلك، و صار ابن أبيّ لعنه اللّه يوبخ ابنه عبد اللّه رضي اللّه عنه و قد أثبتته الجراحة فقال له ابنه: الذي صنع اللّه لرسوله و المسلمين خير.
قال: و كانت عادة عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول إذا جلس (صلى اللّه عليه و سلم) يوم الجمعة على المنبر قام فقال: «أيها الناس: هذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بين أظهركم أكرمكم اللّه تعالى به و أعزكم، فانصروه و عزروه و اسمعوا له و أطيعوا ثم يجلس» فبعد أحد أراد أن يفعل كذلك، فلما قام أخذ المسلمون بثوبه من نواحيه و قالوا له: اجلس عدو اللّه، و اللّه لست لذلك بأهل و قد صنعت ما صنعت، فخرج و هو يتخطى رقاب الناس و هو يقول: كأني إنما قلت هجرا، و قال له بعض الأنصار: ارجع يستغفر لك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: و اللّه ما أبتغي أن يستغفر لي، و أنزل اللّه تعالى قصة أحد في آل عمران، و هي قوله تعالى وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [آل عمران: الآية ١٢١] الآية.