السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٦١ - باب الهجرة إلى المدينة
سراقة، فقال، أنا لمحمد يا أبا الحكم. ثم إنه ركب راحلته و استجنب فرسه و أخذ معه عبدا له أسود كان ذلك العبد من الشجعان المشهورين فسارا: أي في أثر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) سيرا عنيفا حتى لحقا به، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه قد دهينا، هذا سراقة قد أقبل في طلبنا و معه غلامه الأسود المشهور، فلما أبصرهم سراقة نزل عن راحلته و ركب فرسه و تناول رمحه و أقبل نحوهم، فلما قرب منهم، قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) اللهم اكفنا أمر سراقة بما شئت و كيف شئت و أن شئت؛ فغابت قوائم فرسه في الأرض حتى لم يقدر الفرس أن يتحرك، فلما نظر سراقة إلى ذلك هاله و رمى نفسه عن الفرس إلى الأرض و رمى رمحه و قال: يا محمد أنت أنت و أصحابك، أي أنت كما أنت أي آمن و أصحابك، فادع ربك يطلق لي جوادي و لك عهد و ميثاق أن أرجع عنك، فرفع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يديه إلى السماء، و قال: اللهم إن كان صادقا فيما يقول فأطلق له جواده قال: فأطلق اللّه تعالى قوائم فرسه حتى وثب على الأرض سليما» أي و لعل هذا في المرة الثانية أو المرة الأخيرة من السبع على ما تقدم، و تقدم أن الاقتصار على القوائم لا ينافي الزيادة عليها، فلا يخالف ما سبق في هذه الرواية «و رجع سراقة إلى مكة فاجتمع الناس عليه فأنكر أنه رأى محمدا، فلا زال به أبو جهل حتى اعترف و أخبرهم بالقصة» و في ذلك يقول سراقة مخاطبا لأبي جهل:
أبا حكم و اللّه لو كنت شاهدا* * * لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت و لم تشكك بأن محمدا* * * رسول ببرهان فمن ذا يقاومه؟
و سياق هذه الرواية يدل على أنه خرج خلف النبي (صلى اللّه عليه و سلم) من مكة، و يدل لذلك ما ذكر أنه كان أحد القاصين لأثره (صلى اللّه عليه و سلم) في الجبل؛ لكنه مخالف لما تقدم أنه خرج خلفه (صلى اللّه عليه و سلم) من قديد من مجلس قومه و أخفى خروج فرسه و خروجه عن قومه.
و قد يقال: لا مخالفة لأنه يجوز أن يكون لما خرج من مكة سلك طريقا غير الطريق الذي سلكها النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فلم يجده و سبقه على قديد فجلس في مجلس قومه؛ فلما أخبر بمرورهم فعل ما تقدم ثم وجد عبده الأسود في مروره و كان معه راحلته فركبها و استجنب فرسه و صحب عبده.
و لا مانع أن يخرج من مكة بعد خروجهم من الغار، و يسبقهم على قديد. و لا ينافي ذلك قوله فأتانا رسل كفار قريش، لأنه يجوز أن يكون ذلك هو الحامل لسراقة على الذهاب إلى مكة لعله يجده بطريقة. و لا ينافي ذلك كونه كان أحد القصاصين لأثره (صلى اللّه عليه و سلم)، لأنه يجوز أن يكون عاد إلى قديد قبل أن يجعل الجعل. و في كلام بعضهم أنه أرسل بهذين البيتين إلى أبي جهل. و لا منافاة لجواز أن يكون أرسل بهما قبل أن يشافهه بهما.