السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٧٣ - باب ذكر مغازيه
هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم انطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» فقد ذكر أئمتنا أن ذلك ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة و لا يصلون: أي أصلا بدليل السياق، أي لأن صدر الحديث «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء و الفجر» أي جماعتهما «و لو يعلمون ما فيهما لأتوهما و لو حبوا، و لقد هممت الخ».
و في الخصائص الصغرى: و كان الجهاد في عهده (صلى اللّه عليه و سلم) فرض عين في أحد الوجهين عندنا، و كان إذا غزا بنفسه (صلى اللّه عليه و سلم) يجب على كل أحد الخروج معه، لقوله تعالى ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [التّوبة:
الآية ١٢٠] و من ثم وقع لمن تخلف عنه في غزوة تبوك ما وقع.
و أما بعده (صلى اللّه عليه و سلم) فللكفار حالان مذكوران في كتب الفقه. و عند الإذن له (صلى اللّه عليه و سلم) في القتال خرج لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر صفر من السنة الثانية من الهجرة: أي مكث بالمدينة باقي الشهر الذي قدم فيه و هو شهر ربيع الأوّل و باقي ذلك العام كله إلى صفر من السنة الثانية من الهجرة.
«فخرج (صلى اللّه عليه و سلم) غازيا حتى بلغ ودّان» بفتح الواو و تشديد الدال المهملة آخره نون:
و هي قرية كبيرة، بينها و بين الأبواء ستة أميال أو ثمانية. و الأبواء بالمد: قرية كبيرة بين مكة و المدينة كما تقدم؛ سميت بذلك لتبوؤ السيول بها. و قيل لما كان فيها من الوباء فيكون على القلب، و إلا لقيل الأوباء. و حينئذ لا تخالف بين تسمية ابن الخفاف لها بغزوة ودّان و بين تسمية البخاري لها بغزوة الأبواء لتقارب المكانين، أي و في الإمتاع: ودان جبل بين مكة و المدينة.
و أقول: قد يقال لا منافاة، لأنه يجوز أن تكون تلك القرية كانت عند الجبل المذكور فسميت باسمه، و اللّه أعلم.
و كان خروجه (صلى اللّه عليه و سلم) بالمهاجرين ليس فيهم أنصاري يعترض عيرا لقريش و لبني ضمرة أي و خرج (صلى اللّه عليه و سلم) لبني ضمرة، فكان خروجه للشيئين كما يفهم من الأصل.
و يوافقه قول بعضهم: و خرج (صلى اللّه عليه و سلم) في سبعين رجلا من أصحابه يريد قريشا و بني ضمرة. و المفهوم من سيرة الشامي أن خروجه (صلى اللّه عليه و سلم) إنما كان لاعتراضه العير، و إنه اتفق له موادعة بني ضمرة، و يوافقه قول الحافظ الدمياطي: خرج يعترض عيرا لقريش، فلم يلق كيدا. و في هذه الغزوة وادع بني ضمرة هذا كلامه، أي صالح سيدهم حينئذ، و هو مجدي بن عمر.
و عبارة بعضهم: فلما بلغ الأبواء لقي سيد بني ضمرة مجدي بن عمر الضمري، فصالحه ثم رجع إلى المدينة و المصالحة على أن لا يغزوهم و لا يغزوه و لا