السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٨٦ - باب تحويل القبلة
لليهود، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و في هذا الحديث إشكال، فإن سياقه يدل على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) ما صام يوم عاشوراء و لا أمر بصيامه، إلا في السنة التي توفي فيها و هو مخالف لما سبق.
و يجاب عن هذا الإشكال بأن المراد بقوله حين صام: أي حين واظب على صومه. و اتفق أن قول بعض الصحابة ذلك كان في السنة التي توفي فيها، و هو (صلى اللّه عليه و سلم) كان شأنه موافقة أهل الكتاب قبل فتح مكة و مخالفتهم بعده كما تقدم، و بعض متأخري فقهائنا ظن أن قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «إذا كان العام المقبل إن شاء اللّه تعالى صمن اليوم التاسع» من تتمة حديث «و لما قدم (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة وجد اليهود تصومه فصامه و أمر بصيامه» فاستشكل.
و أجاب، بأن المراد لما قدم من سفرة سافرها من المدينة بعد الهجرة. أي و كان قدومه من تلك السفرة في السنة التي توفي فيها، و قد علمت أنهما حديثان؛ و قد علمت معنى الحديث الذي تتمته إذا كان العام المقبل. و في كون إغراق فرعون و نجاة موسى كان يوم قدومه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة يلزم عليه أن ذلك اليوم انتقل من ذلك الشهر إلى اليوم العاشر من المحرم الذي هو الشهر الهلالي من السنة الثانية، و استمر كذلك كما هو ظاهر سياق الأحاديث أن الذي واظب على صيامه إنما هو ذلك اليوم، و كونه وافق اليهود على صوم ذلك اليوم، ثم خالفهم في السنة الثانية و ما بعدها من أبعد البعيد.
ثم رأيت أبا الريحان البيروتي نازع في ذلك في كتابه «الآثار الباقية عن القرون الخالية» حيث قال: رواية أن اللّه أغرق فرعون و نجى موسى و قومه يوم قدومه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة لامتحان يشهد عليها بالبطلان، و بين ذلك بما يطول. و حينئذ يكون من جملة ما يحكم عليها بالبطلان إقرارهم على ذلك؛ و كونه (صلى اللّه عليه و سلم) صامه و أمر بصيامه و فرض اللّه عز و جل عليه (صلى اللّه عليه و سلم) و على أمته صيام شهر رمضان أو الإطعام عن كل يوم مسكينا بقوله تعالى وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ [البقرة: الآية ١٨٤] من الأصحاء المقيمين فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً [البقرة: الآية ١٨٤]: أي زاد على إطعام المسكين فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: الآية ١٨٤] أي من الفطر و الإطعام، فكان من شاء صام، و من شاء أطعم عن كل يوم مدا.
ثم إن اللّه تعالى نسخ هذا التخيير بإيجاب صوم رمضان عينا بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ [البقرة: الآية ١٨٥] أي علمه فَلْيَصُمْهُ [البقرة: الآية ١٨٥] إلا في حق من لا يستطيع صومه لكبر أو لمرض لا يرجى زواله فيجزيه الإطعام و رخص فيه للمريض، أي إذا كان بحيث تحصل له مشقة تبيح التيمم، و للمسافر أي الذي يباح له قصر الصلاة و إن لم يحصل له مشقة بالكلية مع وجوب القضاء إذا زال المرض و السفر بقوله تعالى وَ مَنْ